مقالات الرأي
أخر الأخبار

زيارة المفوض السامي… اختبار الدولة ورسائل السياسة الدولية إدريس هشابه

زيارة المفوض السامي… اختبار الدولة ورسائل السياسة الدولية

تأتي زيارة المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة فولكر تورك إلى السودان في توقيت بالغ الحساسية، يتجاوز الإطار البروتوكولي المعتاد، ليحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، في لحظة تعاد فيها صياغة المواقف الدولية تجاه الصراع السوداني وطبيعة الدولة القائمة فيه.
فالزيارة، التي تتم في ظل حرب معقّدة وتداخل إقليمي كثيف، تعكس اعترافًا عمليًا بوجود دولة قائمة ومؤسسات فاعلة قادرة على التواصل والتنسيق مع المنظومة الدولية، وهو ما يتناقض جذريًا مع سردية “الفراغ” التي سعت المليشيا المتمردة وداعموها لترويجها خارجيًا. وجود المفوض السامي في بورتسودان، وتنقله داخل مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة، واجتماعاته الرسمية مع وزارات العدل والخارجية والنيابة العامة، يقدّم صورة مختلفة: دولة تعمل، ونظام قانوني قائم، وسلطة تمارس وظائفها الأساسية رغم الحرب.
أهمية الزيارة لا تكمن فقط في تقييم أوضاع حقوق الإنسان، بل في السياق الذي تجري فيه. فهي تتزامن مع تحوّل ملحوظ في السياسة الأمريكية، عبّرت عنه واشنطن بوضوح حين أعلنت عدم اعترافها بأي حكومة موازية في السودان. هذا الموقف لا يمكن عزله عن واقع ميداني بات واضحًا للمجتمع الدولي: لا توجد على الأرض سوى دولة واحدة، ومؤسسات شرعية واحدة، في مقابل مليشيا مسلحة فاقدة لأي سند قانوني أو إداري.
في هذا الإطار، تكتسب اجتماعات المفوض السامي مع لجنة التحقيق في الجرائم والانتهاكات الوطنية والدولية الإنسانية أهمية خاصة. فاللجنة، برئاسة النائب العام، قدمت إحاطات موثقة حول الجرائم التي ارتكبتها المليشيا، لا سيما عقب سقوط مدينة الفاشر، وفق معايير قانونية معتمدة. هذا المسار يعكس انتقال الدولة من موقع الدفاع السياسي إلى موقع الفعل القانوني، ويضع الانتهاكات في سياقها الصحيح: جرائم منظمة لا يمكن مساواتها بأداء دولة تواجه تمردًا مسلحًا.
كما أن إشادة وفد المفوض السامي بقرار الإفراج عن عدد من السجينات تمثل رسالة مزدوجة: من جهة، اعتراف بوجود إرادة سياسية تراعي الاعتبارات الإنسانية حتى في زمن الحرب، ومن جهة أخرى، مقارنة غير مباشرة مع سلوك المليشيا التي بنت مشروعها على الانتهاك الممنهج والبطش خارج أي إطار قانوني.
سياسيًا، تحمل الزيارة ضغطًا غير مباشر على الأطراف الإقليمية الداعمة للمليشيا، وفي مقدمتها أبوظبي، التي راهنت طويلًا على فرض واقع موازٍ للدولة السودانية. فالتقاطع بين الحضور الأممي، والتحوّل الأمريكي، والدور المتنامي للمؤسسات العدلية السودانية، يضيّق هامش المناورة أمام هذا الدعم، ويكشف عزلته الأخلاقية والسياسية.
على اي حال، زيارة المفوض السامي ليست مجرد محطة تقييم، بل مؤشر على إعادة تموضع دولي يتعامل مع السودان بوصفه دولة قائمة تسعى لحماية مؤسساتها واستعادة سيادتها، لا ساحة مفتوحة لمشاريع المليشيات. وهي، في الوقت نفسه، اختبار لقدرة الحكومة على تحويل هذا الانطباع الإيجابي إلى مسار مستدام يعزز العدالة، ويُسرّع إنهاء الحرب، ويعيد للسودان مكانته كدولة لا كأزمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى