*الإسراء والمعراج الفرج بعد الشدة .. بقلم د. إسماعيل الحكيم*

*الإسراء والمعراج الفرج بعد الشدة .. بقلم د. إسماعيل الحكيم..*
Elhakeem.1973@gmail.com.
إن معجزة الإسراء والمعراج لم تكن حدثًا غيبيًا معزولًا عن حركة التاريخ، بل كانت تدخلًا إلهيًا في لحظة سياسية حرجة، ومرحلة مفصلية من مسار الصراع بين الحق والباطل. فقد جاءت في وقتٍ بلغ فيه الضغط ذروته، وتكاثرت فيه أدوات الإقصاء والتضييق، وانغلقت أمام المشروع النبوي كل مسارات الدعم الأرضي، في مشهدٍ لا يختلف كثيرًا عن لحظات الانكسار التي تمر بها الأمم حين تُحاصر من الداخل والخارج.
لقد أعادت الإسراء والمعراج ترتيب موازين القوة، ليس بمنطق السلاح، وإنما بمنطق الشرعية واليقين. ففي أوج الاستضعاف، جاء الإسناد من السماء، ليؤكد أن معارك الرسالات لا تُحسم فقط بما يُدار في الأرض، بل بما يُحسم أولًا في ميزان القيم والثبات على المبادئ.
وسياسيًا، تكشف هذه المعجزة أن الضغوط القصوى لا تعني نهاية المشروع، بل قد تكون إعلانًا غير مباشر عن انتقاله إلى مرحلة جديدة أكثر نضجًا واستعدادًا للتمكين. فالتاريخ السياسي للأمم يعلّمنا أن ما بعد الانسداد الكامل غالبًا ما يكون انفراجًا استراتيجيًا، وأن الانهيارات الكبرى تسبق في العادة التحولات الكبرى.
وفي السياق السوداني الراهن، حيث أنهكت الحرب الدولة والمجتمع، وتكسّرت البُنى، وتعرّض القرار الوطني لمحاولات اختطاف متعددة، فإن استدعاء دلالات الإسراء والمعراج ليس بياناً خطابيًا، بل ضرورة وعي. فما يمر به السودان اليوم هو اختبار وجودي، تُعاد فيه صياغة الدولة، وتُفرز فيه المواقف، ويُميَّز فيه بين من راهن على الوطن ومن تاجر بآلامه.
إن سنن التاريخ تؤكد أن الدول التي تصمد في لحظات التفكك، وتتمسك بهويتها الجامعة، وتستعيد بوصلتها القيمية، تخرج من الحروب أكثر قدرة على إعادة البناء، وأكثر حصانة في وجه التدخلات. وهنا يصبح الوعد الإلهي جزءًا من المعادلة السياسية ، فالصبر الاستراتيجي، حين يقترن بالتماسك المجتمعي، يصنع الفرج.
غير أن هذا الفرج لا يُمنح في فراغ. فما يزال الاهتداء بالمنهج النبوي في إدارة الأزمات شرطًا للنصر ، فهم منهجٌ يقوم على وضوح الهدف، وعدم التفريط في الثوابت، وبناء التحالفات على أساس المصلحة الوطنية لا الارتهان الخارجي، وإعلاء قيمة الإنسان باعتباره جوهر الدولة ومصدر شرعيتها.
لقد عاد النبي ﷺ من المعراج بوضوح رؤية، وثبات موقف، واستعداد لمرحلة جديدة من الصراع السياسي والاجتماعي، انتهت ببناء دولة راسخة. وهكذا تُبنى الدول بعد الحروب ، برؤية أخلاقية، وقيادة واعية، ومشروع وطني لا يستنسخ الفشل ولا يكرر أسباب الانهيار.
إن الإسراء والمعراج، في بعدها السياسي العميق، تقول لنا إن النصر لا يُستجدى، بل يُصنع، وإن وعد الله لا ينفصل عن الأخذ بالأسباب، وإن السودان، مهما طال ليله، يحمل في أفقه بشريات فجرٍ قريب، إذا أحسن قراءة محنته، واستعاد بوصلته، وسار في طريق الإصلاح بثبات ومسؤولية.



