*وحدة وادي النيل.. “قدرٌ” لا خيار وشعبٌ لا ينكسر* قراءة في ندوة ” *إسناد” …علي أنغام (يا وطني يا بلد أحبابي)..* القاهرة – رصد واصله عباس

*وحدة وادي النيل.. “قدرٌ” لا خيار وشعبٌ لا ينكسر*
قراءة في ندوة ” *إسناد” …علي أنغام (يا وطني يا بلد أحبابي)..*
القاهرة – رصد واصله عباس
*مدخل :*
في احتفالية حاشدة بالقاهرة، وضعت جمعية “إسناد” لبنة جديدة في صرح العلاقات السودانية المصرية، معلنةً عن إطلاق مبادرة ثقافية كبرى تهدف إلى إعادة قراءة وتوثيق الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين بمنظور غير تقليدي عبر الفن العابر للحدود ، من خلال تناول قصيدة الشاعر المصري ابراهيم رجب والتي صدح بها الفنان الكبير سيد خليفة ، وتجئ هذه الاحتفالية برعاية كريمة من بنك الخرطوم في القاهرة ، وصاغ الرؤي الاخراجية المخرج المبدع شكرالله خلف الله ، وغناء الفنانين محمد حسن ، وعصام محمدنور ، ونجود عجبنا ، ووليد زاكي الدين ، وذلك بمشاركة واسعة من افراد الطيف السوداني والمصري.
*من الإغاثة إلى صناعة الوعي :*
من جانبها أكدت الأستاذة أميرة الفاضل، رئيس مجلس إدارة جمعية “إسناد”، في كلمتها خلال الحفل، أن الوجدان المشترك بين البلدين يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا، مستشهدة بـ “المفاجأة المعرفية” التي تبرهن على ذوبان الحدود الثقافية؛ وهي أن أيقونات الأناشيد الوطنية السودانية مثل “يا وطني يا بلد أحبابي” و “أمة الأمجاد”، صيغت بأقلام مصرية (الشاعر إبراهيم رجب)، بينما صدح بها الصوت السوداني الخالد (الفنان الراحل سيد خليفة
و من الإغاثة إلى صناعة الوعي استعرضت الفاضل مسيرة “إسناد” منذ اندلاع أحداث 15 أبريل 2023، مشيرة إلى أن الجمعية التي بدأت بتقديم الدعم الاجتماعي والإنساني العاجل للوافدين السودانيين، نجحت في تطوير دورها لتصبح منبراً ثقافياً عبر منتدى شهري يستضيف النخب الفكرية ويؤرخ للمرحلة الراهنة من خلال الأدب والمعرفة، عبر شراكات استراتيجية .
وأشادت الفاضل بشركاء النجاح، معلنةً عن تحول “بنك الخرطوم” من مرحلة الدعم المستمر إلى “الشراكة الرسمية” مع المبادرة. كما ثمنت الدور المصري الفاعل والمتمثل في الدكتورة نجوى إبراهيم، نائب رئيس مجلس الإدارة، والأستاذة مها، تأكيداً على تكامل الجهود لخدمة الأهداف الإنسانية المشتركة وقدمت دعوة لتوثيق “التاريخ الاجتماعي” وفي خطوة عملية، وجهت رئيس مجلس إدارة “إسناد” دعوة مفتوحة للأكاديميين والمؤرخين، وخصت بالذكر الدكتور عمر أحمد قدور والأستاذ جمال عنقرة، لتحويل مخزونهم المعرفي إلى “توثيق علمي” متاح للأجيال ، وصرحت أميرة الفاضل: “نحن في إسناد مستعدون لرعاية مشروع توثيقي برؤية جديدة، لا يُركز على الجوانب السياسية أو العسكرية فحسب، بل يبرز البعد الإنساني والعمق الذي تلمسه الشعبان، خاصة في المحنة الأخيرة التي فتحت فيها مصر قلوبها قبل أبوابها للسودانيين”. “بيت حبوبة”.. مأوى الحنين واختُتمت الاحتفالية بلمسات إنسانية عكست حالة الحنين الجارف للوطن، حيث أشارت الفاضل إلى أن مقر جمعية “إسناد” لم يعد مجرد مكتب إداري، بل أطلق عليه المترددون اسم “بيت حبوبة” (بيت الجدة)، لما يوفره من جو الألفة والاحتواء الذي يحتاجه السودانيون في بلدهم الثاني مصر.
*سرديات الفريق قدور :_*
دكتور عمر قدور ابتدر حديثه بالحث على استذكار التاريخ المجيد لوادي النيل، معبراً عن أن الوقت لا يسعه للحديث عن عمق الروابط بين مصر والسودان، ويستشهد بأبيات شعرية للشاعر “العباسي”. ا حقيقةً أنا عندما أتحدث هنا في القاهرة عن مصر والسودان، أحس دائماً أن الزمن لا يسعني أبداً للكلام. بماذا أبدأ ؟ هل أبدأ بالعباسي وهو يقول :
أقصرتُ عاد الزمان فأقصرا ….. وغفرتُ لما جاءني مستغفراً
ما كنت أرضى يا زمان لو أنني .. لم ألقَ منك الضاحك المستبشرا
يا مرحباً قد حقق الله المنى .. …..فعليَّ إذ بلغتها أن أشكرا
يا حبذا دارٌ نزلتُ وحبذا ……. إبداعُ من ذرأ الوجود ومن برا
مصرٌ وما مصرٌ سوى الشمس التي .. بهرت بتاريخ الدهور الأبصرا
هذا الكلام يدل على عمق المحبة وعمق الصلة وعمق التاريخ الذي ألهم الشعراء ، ثم انتقل مستعينا ببيت شعري للشاعر احمد شوقي:
فمصرُ الرياض والسودان عيون الرياض خُجَّرها ، ثم عقب شاعرنا فقال: (وما مصر والسودان إلا وشيجة وما أهلها إلا وشيج ومُشفق)، هذا الحديث الذي يفيض بالحب والمحلة والحنان والمعارف، العلاقة خالدة وقديمة وهذا ليس شعراً بحتاً بل هو الواقع الذي حاولت أجيال كثيرة أن تعيد لُحمته وأن تلتقي جانبَيْ الوادي مرة أخرى بشكل التكامل والصحوة والوحدة.” كما تطرق دكتور عمر قدور إلى الجانب الفني والموسيقي المشترك، مشيراً إلى الاحتفالات بذكرى استقلال السودان والروابط الفنية بين العمالقة مثل أحمد رامي وأحمد المصطفى اللذين غنيا معا (حبيبُ لست أنساهُ.. جعلتُ القلب مأواهُ). أحمد من هنا وأحمد من هناك يغنيان لوادي النيل، وينطلق موكب الفن إلى أبي داوود وغيرهم .
*بنك الخرطوم .. ريادة وقيادة :*
مسئول التطوير المؤسسي ببنك الخرطوم الاستاذ / مجدي أمين ، أكد علي ان ماقام به البنك من رعاية لهذا المنتدي هو من صميم عمل البنك ودوره تجاه المجتمع وتنوع قضاياه ، مشيدا بشراكتهم مع جمعية إسناد لدعم السودانين المتأثرين بالحرب في مصر .
*الاستعانة بالخبرات :*
اشار الجنرال ألماظ الي أن جمعية “إسناد”: نجحت لانها استقرأت الواقع في 2023 لدعم السودانيين في بلدهم الثاني مصر. ، وأكد علي أن النيل هو الشريان الذي يغذي البلدين لغةً وعملاً، داعياً إلى استعادة التكامل الزراعي عبر الاستعانة بالخبرات والعمالة المصرية لنهضة الأراضي السودانية
*موقف إنساني من الذاكرة :*
قدم الأستاذ الوسيلة السماني شهادة حية على الوجدان المصري الشعبي تجاه السودانيين، من خلال قصة تعود لعام 1987 في مطار القاهرة، حيث رفض ضابط مطار مصري وقوفه في طابور “الأجانب”، وأصر على إنهاء إجراءاته من كاونتر “المصريين” قائلاً بلهجة مصرية: “أنت أجنبي؟ ده إحنا كلنا تعيس على خايب رجاء!”. أكد أن هذه العلاقة “قدرية” وليست خياراً، مستشهداً بمحاولات الاستعمار البريطاني قديماً لفصل البلدين عبر اختلاف مقاييس السكك الحديدية (الخط العريض في مصر والضيق في السودان).
*الدبلوماسية والثقافة جسور التواصل :*
في كلمته ركز الأستاذ جمال عنقرة على العمق التاريخي للشخصيات السودانية التي لعبت دوراً في مصر والعكس ، مسترجعا ذكريات الدراسة في مصر في السبعينات حين كان السودانيون يعاملون تماماً كالمصريين في الرسوم الدراسية (5 جنيهات فقط ).
*حزينة علي فراقكم :*
تناولت السفيرة نجوى إبراهيم الروابط الأسرية والتاريخية الوثيقة بين الشعبين المصري والسوداني ،كما كشفت أن أصولها تنقسم بين مصر والسودان؛ فجدها كان ضابطاً كبيراً في السودان، وخالها كامل جمال الدين كان سفيراً للسودان في السعودية ، كما استحضرت ذكريات إذاعة “ركن السودان” وصلة قرابتها بالإعلامية سكينة كامل ، وفي الختام وجهت تحية خاصة للسودانيين في مصر، مؤكدة أنهم “أهل وعزوة”، معربة عن مشاعر مختلطة بين تمني العودة الآمنة لهم للسودان والحزن على فراقهم كإخوة
*مشروع إسناد :*
الفنان المسرحي علي مهدي (تحدث عن رؤية مشروع “إسناد” كفضاء ثقافي وإعلامي ، مؤكدا علي أن “إسناد” لا تُفرق بين شمال وجنوب الوادي، بل تستخدم البعد الجغرافي (وادي النيل) كأفق أرحب من الوصف السياسي ، مشدداً على أن الإعمار بعد انتهاء “التمرد” في السودان سيكون بجهد مشترك وبدعم من الأشقاء في مصر.
*من القلب يصل للقلب :*
الدكتورة مها عبد الفتاح ممثل الهيئة الوطنية للإعلام – ماسبيرو) تحدثت بلسان الإعلام المصري المرحب والمحتضن، أكدت أن ما يخرج من القلب يصل للقلب، وأن تدريب الكوادر السودانية في ماسبيرو هو واجب مهني وعاطفي يعكس عمق العلاقات.
*برلمان وادي النيل* :
الأستاذ صلاح الشيخ (الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين ) ، قدم قراءة مؤسسية وتاريخية للفترة الذهبية لبرلمان وادي النيل ، حيث استذكر عضويته في هذا البرلمان المشترك الذي نال عضويته وهو في سن 15 عاماً في السبعينات، وعن التبادل الفني بين البلدين أشار الشيخ الي زيارات “عبد الحليم حافظ” و”عادل إمام” للسودان كدليل على الحراك الثقافي الكثيف ،حيث جاء غنى للسودان وغنى في أم درمان.
*وفي الختام* : أجمع المتحدثون على أن السودان ومصر ليسا دولتين متجاورتين فحسب، بل هما “روح واحدة في جسدين”، يجمعهما النيل، واللغة، والتاريخ العسكري، والمصاهرة الأسرية. وأن الأزمات الحالية ما هي إلا سحابة عابرة ستزول ليعود البناء والإعمار بجهود أبناء وادي النيل معاً.



