مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإسلاميون في ميزان التجربة… قراءة هادئة لما بعد الحرب

الإسلاميون في ميزان التجربة… قراءة هادئة لما بعد الحرب

تجربة الإسلاميين في الحكم، مثلها مثل أي تجربة سياسية عرفها السودان منذ الاستقلال، ليست فوق النقد ولا بمنأى عن التقييم. غير أن القراءة الرصينة تقتضي النظر إليها ضمن السياق العام لمسار الدولة السودانية، لا بوصفها استثناءً معزولًا، بل كحلقة من سلسلة تجارب حكم تعاقبت، لكل منها إخفاقاتها ونجاحاتها.
وعند إخضاع هذه التجربة لمعيار المقارنة التاريخية، من حيث الاستقرار النسبي، وبناء مؤسسات الدولة، وإدارة الأزمات في ظروف داخلية وخارجية بالغة التعقيد، تبدو أكثر تعقيدًا من الصورة النمطية التي سادت في الخطاب العام خلال السنوات الأخيرة. فقد واجهت حصارًا دوليًا خانقًا، واستقطابًا سياسيًا حادًا، وانقسامات داخلية أضعفت أي إمكانية لتصحيح المسار من الداخل، وهو ما ساهم لاحقًا في تراكم أزمات دفعت البلاد ثمنها مضاعفًا.
ما بعد الحرب يفرض اليوم مقاربة مختلفة. فالسودان الخارج من الدمار والانقسام لا يحتمل إعادة إنتاج ذات الجدل الذي سيطر على مرحلة ما سُمّي بالثورة، حين انشغلت النخب السياسية والإعلامية بتأطير المجتمع في ثنائيات حادة: مدني/عسكري، ثوري/فلولي، إسلامي/لا إسلامي. جدلٌ استهلك طاقة المجتمع، ولم يقدّم حلولًا حقيقية لأزمات الاقتصاد، ولا لبناء الدولة، ولا لحماية النسيج الوطني.
لقد تحوّل النقاش العام آنذاك إلى ساحة تصفية حسابات سياسية وأيديولوجية، لا إلى حوار وطني منتج. ومع مرور الوقت، اتضح أن كثيرًا من تلك النقاشات لم تكن سوى صراعات هوية لا علاقة لها بمصالح المواطن، ولا بمتطلبات الدولة الحديثة، بل ساهمت ـ عن قصد أو غير قصد ـ في إضعاف الجبهة الداخلية وتهيئة المناخ للانهيار.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة النظر في طريقة تقييم التجارب السياسية كافة، ومنها تجربة الإسلاميين، بعيدًا عن الشيطنة المطلقة أو التبرئة الكاملة. فداخل هذه التجربة أخطاء جسيمة لا يجوز إنكارها، لكن داخلها أيضًا كوادر وخبرات، لا يزال بعضهم حاضرًا في مواقع العمل الوطني والدفاع عن الدولة، دون ضجيج أو ادعاء.
إن أزمة السودان بعد الحرب ليست أزمة تيار سياسي بعينه، بل أزمة نخبة عجزت طويلًا عن إدارة خلافاتها خارج منطق الإقصاء والانتقام الرمزي. وما لم يتم تجاوز هذا الإرث، والانتقال من خطاب الإدانة إلى خطاب التقييم، ومن منطق الخصومة إلى منطق الدولة، فإن البلاد ستظل تدور في ذات الحلقة المفرغة.
السودان اليوم بحاجة إلى نقاش جديد، أقل صخبًا وأكثر صدقًا، يعترف بالتجارب كما هي: لا كما يُراد لها أن تُروى، ويضع مصلحة الوطن فوق اعتبارات الكراهية السياسية. فالدول لا تُعاد بناؤها بالجدل العقيم، بل بالعقل، والإنصاف، والقدرة على التعلم من أخطاء الماضي دون الارتهان له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى