*سودانير… العودة الشكلية أخطر من الغياب .. بقلم د. إسماعيل الحكيم*

*سودانير… العودة الشكلية أخطر من الغياب .. بقلم د. إسماعيل الحكيم..*
Elhakeem.1973@gmail.com
حينما تعود الخطوط الجوية السودانية (سودانير) إلى التحليق، ولو بطائرة يتيمة، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: متى أقلعت؟
بل: لماذا هبطت كل هذا الهبوط المذل؟ ومن سمح بأن يتحول الناقل الوطني إلى شاهد إهمال دائم في سجل الدولة؟
سودانير ليست شركة خاسرة فحسب، بل قضية سيادة معلّقة، ومرآة فاضحة لعجز الحكومات المتعاقبة عن حماية أصول الدولة الاستراتيجية. فمن غير المعقول – ولا المقبول – أن تملك دولة بحجم السودان، تاريخًا وجغرافيا، ناقلًا وطنيًا لا يملك إلا طائرة واحدة، متهالكة، كثيرة الأعطال، كأنها أُبقيت حيّة فقط لتقول: نحن موجودون… بالكاد.
لقد تعاقبت الحكومات، ورفعت شعارات الإصلاح، وتحدثت عن الخصخصة حينًا، والشراكات حينًا، وإعادة الهيكلة أحايين أُخر ، لكن النتيجة واحدة ، سودانير خارج الحسابات، وخارج الأولويات، وخارج الضمير التنفيذي للدولة.
وهنا لا بد من قول الحقيقة بلا تجميل ، إن ما جرى لسودانير ليس قدرًا اقتصاديًا منعزلاً ، إنما فشلٌ سياسي وإداري مركب، شاركت فيه قرارات مرتجلة، وتدخلات غير مهنية، وغياب رؤية وطنية لا تعتبر الطيران المدني جزءًا من الأمن القومي والاقتصاد الاستراتيجي، ولكن بندًا هامشيًا في ميزانية منسية.
إن عودة سودانير اليوم، في هذا التوقيت الحساس من تاريخ البلاد، ليست إنجازًا يُحتفى به، بل امتحانًا يُخشى السقوط فيه إذا لم تُتخذ قرارات جذرية وشجاعة. فإما أن تعود سودانير كمؤسسة دولة حديثة، أو لا تعود إطلاقًا، لأن العودة الشكلية أخطر من الغياب.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية السياسية تقع مباشرة على قمة هرم الدولة. وعليه، فإنني أطالب وأرجو – بكل أدب وإحترام – سيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، بإصدار قرار سيادي واضح، يُدرج سودانير ضمن مشروع عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، لا باعتبارها شركة خدمية، بل كأحد رموز استعادة الدولة لعافيتها وسيادتها.
فلا معنى لعودة الوزارات والمؤسسات والمواطنين ، بينما يظل الناقل الوطني خارج المدار، وكأنه مؤسسة بلا وطن، أو وطن بلا أجنحة.
كما أن الرهان الحقيقي يجب أن يُوضع على لجنة الفريق إبراهيم جابر، التي أثبتت – بالفعل لا بالتصريحات – قدرتها على إعادة تشغيل مرافق حيوية وسط دمار شامل. وهذه اللجنة مطالبة اليوم بأن تضع سودانير على طاولة القرار، لا كمِلَف مؤجل، بل كقضية استعجال وطني، تُدار بعقل اقتصادي احترافي، وشفافية كاملة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
إن إنقاذ سودانير لا يحتاج خطبًا ولا صورًا إعلامية، بل يحتاج الي قرارسياسي شجاع وإدارة مهنية مستقلة وإرادة دولة تعترف بأن ما جرى كان خطأً… وتريد تصحيحه
فالدول التي تحترم نفسها لا تترك ناقلها الوطني ينهار بصمت.
والدولة التي تريد أن تُقنع شعبها بأنها تعود، يجب أن تعود بكل مؤسساتها… وبكل أجنحتها.
وسودانير، إن لم تُنقذ اليوم، فلن تكون مجرد شركة طيران فاشلة،
بل دليل إدانة دائم على عجز الدولة عن حماية رمز من رموزها السيادية.



