مقالات الرأي
أخر الأخبار

*وزارة لشؤون الشهداء والأسرى والمفقودين… ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.. بكرى خليفة*

*وزارة لشؤون الشهداء والأسرى والمفقودين… ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.. بكرى خليفة*

خلّفت حرب السودان الأخيرة واحدةً من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخ البلاد الحديث، إذ أفرزت عشرات الآلاف من الشهداء، إلى جانب أعداد كبيرة من الأسرى والمفقودين، في ظل غياب إحصاءات دقيقة حتى الآن بسبب استمرار العمليات العسكرية. غير أن الشواهد الميدانية، من مقابر جماعية ودمار واسع في الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ودارفور وغيرها من المناطق، تؤكد فداحة الخسائر البشرية التي تكبّدها السودان.
وتأتي القوات النظامية والقوات المساندة لها في مقدمة الفئات الأكثر تضررًا، حيث تضم قوائم الشهداء والأسرى والمفقودين أعدادًا كبيرة من منتسبيها. هؤلاء تركوا وراءهم أسرًا وأطفالًا في مراحل دراسية مختلفة، يواجهون اليوم واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا بالغ القسوة. فقدت كثير من هذه الأسر عائلها الوحيد، وكانت تعتمد على دخول محدودة بالكاد تسد رمق الحياة، فكيف الحال بعد انقطاعها الكامل؟ وهو ما ينذر بتشرد الأبناء، وتسربهم من التعليم، وانزلاقهم المبكر إلى سوق العمل بحثًا عن لقمة العيش.
ولا تقتصر المأساة على العسكريين وحدهم، بل تمتد لتشمل آلاف المدنيين الذين سقطوا شهداء، أو فُقدوا، أو أُسروا خلال حرب الخامس عشر من أبريل. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الشهداء تجاوز خمسين ألفًا، فضلًا عن أعداد غير معلومة من الأسرى والمفقودين. وهذه الأرقام، مهما اختلفت دقتها، تعكس حجم الكارثة، وتستدعي تدخلًا مؤسسيًا عاجلًا يتجاوز الحلول الجزئية أو الموسمية.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء وزارة مستقلة تُعنى بشؤون الشهداء والأسرى والمفقودين، تتولى حصرهم، ورعاية أسرهم، وتوفير احتياجاتهم الأساسية، على غرار تجارب دول أخرى نجحت في التعامل مع آثار الحروب، مثل هيئة شؤون الأسرى والشهداء الفلسطينية. فوجود مثل هذه الوزارة من شأنه أن يوفّر مظلة رسمية تضمن السكن الكريم لمن فقدوا مساكنهم، والتعليم المجاني لأبناء الشهداء في المدارس والجامعات، مع منحهم أولوية في المنح الدراسية، والتدريب، وفرص التوظيف.
إن غالبية الشعب السوداني قد تضررت من هذه الحرب، وفقدت ممتلكاتها ومصادر دخلها، غير أن الأولوية الوطنية والأخلاقية يجب أن تُمنح لمن فقد ربَّ الأسرة وضحّى بأغلى ما يملك دفاعًا عن الوطن. فهؤلاء لا يطلبون منّة، بل حقًا أصيلًا كفلته القيم الوطنية والإنسانية.
إن توجيه القيادة السياسية، ممثَّلةً في مجلس السيادة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومجلس الوزراء برئاسة الدكتور كامل إدريس، بإنشاء وزارة لشؤون الشهداء والأسرى والمفقودين، سيمثل خطوة مهمة في اتجاه رتق النسيج الاجتماعي، وبعث الأمل في نفوس آلاف الأسر المنكوبة، وإعادة الاعتبار لتضحيات عظيمة قُدِّمت من أجل بقاء الوطن. فالمعالجة الجادة والعادلة لهذا الملف ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب وطني لا يحتمل التأجيل. bakrikhalifa385@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى