
مسارب الضي | د. محمد تبيدي
أحمد عثمان حمزة… رجل بقامة وطن صمد كما صمدت الخرطوم
وعلى حد قولي:
حين ضاقت الأرضُ لم ينحنِ
وثبّت في العاصفةِ قدميه
فكان للخرطومِ سوراً
وكانت الخرطومُ في عينيه
ليس من السهل أن تُختصر سيرة رجل في زمنٍ عادي، فكيف إذا كان الزمن زمن محنة، وكانت الجغرافيا قلب الوطن، وكانت المسؤولية بحجم الخرطوم نفسها.
أحمد عثمان حمزة لم يكن والياً في وقت رخاء، ولم يأتِ إلى منصبه في موسم الاستقرار، بل قُذف به إلى عين العاصفة، حيث الدولة تُختبر، والمؤسسات تُمتحن، والرجال يُعرفون عند الشدائد لا في مواكب الاحتفال.
صمدت الخرطوم لأنها وجدت من يمسك بزمامها بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة. في أكثر الفترات قسوة، حين تراجعت الخدمات، وتفككت شبكات الإمداد، وتهدد الأمن الاجتماعي، وقف أحمد عثمان حمزة بثبات لافت، يدير الولاية بمنطق البقاء والحد الأدنى الممكن، لا بمنطق الوعود الكبيرة الفارغة. اختار الواقعية الصلبة، وأدار الأزمة بعقل إداري يعرف أن المحافظة على ما تبقى مقدمة لاستعادة ما فُقد.
أهم ما يُحسب له أنه لم يغادر موقعه، ولم يلوّح بالاستقالة، ولم يبحث عن شماعة يعلّق عليها الفشل. ظل في قلب الخرطوم، بين أحيائها، يتابع ملفات المياه والكهرباء والصحة والنظافة والأمن، وهو يدرك أن الوالي في زمن الحرب لا يُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بقدرته على منع الانهيار الكامل. وهذه معركة لا يربحها إلا من يمتلك صبراً استثنائياً وقدرة عالية على إدارة التناقضات.
أدار أحمد عثمان حمزة ولاية الخرطوم بعقل تنسيقي، فنسّق مع القوات النظامية، ومع لجان الخدمات، ومع ما تبقى من الجهاز التنفيذي، دون صدامات عبثية أو قرارات استعراضية. حافظ على خيط رفيع من الدولة، ومنع تحوّل الخرطوم إلى فراغ إداري، وهو إنجاز لا يراه إلا من يعرف معنى أن تستمر المؤسسات في العمل ولو بنبض ضعيف.
ومن مآثره التي لا تُقال كثيراً، أنه أعاد تعريف مفهوم الوالي من حاكم إداري إلى مدير أزمة. لم يتعامل مع الخرطوم كعاصمة سياسية فقط، بل كمدينة مثقلة بالجراح، تحتاج إلى قرارات سريعة، وإلى حضور ميداني، وإلى خطاب هادئ يطمئن الناس دون تضليل. لم يزايد على معاناة المواطنين، ولم يتاجر بها، بل اعترف بها كما هي، وواجهها بما توفر من أدوات.
في ملف الخدمات، تعامل مع الممكن لا المثالي. أعاد تشغيل محطات مياه، ولو جزئياً، حافظ على الحد الأدنى من الإمداد الكهربائي في مرافق حيوية، دعم استمرار بعض المستشفيات والمراكز الصحية، ونسّق مع المنظمات حيثما أمكن دون أن يرهن قرار الولاية لأجندات خارجية. هذا النهج العملي أنقذ الأرواح، ولو لم يُسلّط عليه الضوء إعلامياً كما يجب.
أما في الملف الأمني، فقد أدرك أن الأمن ليس بندقية فقط، بل شعور عام. دعم الشرطة، وساند الجهد المجتمعي، وساهم في خلق بيئة تعاون بين الأجهزة المختلفة، ما قلل من الفوضى والانفلات في ظروف كان يمكن أن تنزلق فيها العاصمة إلى سيناريوهات أسوأ بكثير. الخرطوم لم تسقط في الفوضى الشاملة، وهذه حقيقة لا يجوز القفز فوقها.
أحمد عثمان حمزة لم يكن والياً شعبوياً، ولم يسعَ إلى صناعة صورة إعلامية براقة. اختار العمل الصامت، وتحمل سهام النقد، وبعضها كان قاسياً وغير منصف. لكنه فهم أن التاريخ لا يُكتب بالهتاف، بل بالثبات. وأن من يصمد مع مدينته في زمن النار، يُحسب له ذلك مهما اختلف الناس حوله.
لقد صمد كما صمدت الخرطوم، لا لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه لم يهرب من المسؤولية. أخطأ أحياناً، وأصاب كثيراً، لكنه بقي واقفاً. وهذه في حد ذاتها قيمة وطنية نادرة في زمن الانسحابات السهلة.
سيذكر التاريخ أن الخرطوم حين كانت تنزف، كان على رأسها رجل اختار البقاء. رجل أدرك أن الولاية ليست منصباً بل عبء ثقيل، وأن الوطنية لا تُقاس بالشعارات بل بالتحمل. أحمد عثمان حمزة هو واحد من أولئك الذين يُختلف حولهم في التفاصيل، لكن يُتفق على أنهم كانوا في المكان الصحيح في الوقت الأصعب.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



