الأخبار
أخر الأخبار

غابات القمامة… حين يصبح الإهمال تهديدًا للصحة والأمن بقلم :إدريس هشابه

غابات القمامة… حين يصبح الإهمال تهديدًا للصحة والأمن

بقلم :إدريس هشابه

أجمل ما لفت نظري خلال زيارتي الثانية لولاية الخرطوم مطلع الأسبوع المنصرم، هو الحراك اللافت في مدينة أم درمان؛ اتساع رقعة النشاط التجاري، عودة المحال والمطاعم والصيدليات، ولافتات مضيئة تعكس نبض مدينة تُحاول استعادة عافيتها بعد الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع المتمردة. حتى شوارع الوادي والنص الشنقيطي، ورغم كثافتها السكانية، بدت عمليات النظافة فيها أفضل مما كانت عليه قبل الحرب.
غير أن هذا المشهد الإيجابي سرعان ما يتبدد داخل الأحياء، حيث تحوّلت القطع الفارغة إلى مكبات نفايات عشوائية، في سلوك فوضوي يفتقر لأدنى درجات المسؤولية المجتمعية. أكوام من الأوساخ ومخلفات المنازل، بل وحتى النفايات الخطرة، تُلقى بلا وازع أخلاقي أو خوف من قانون، لتصبح صحة الأسر على المحك، والأمراض على بعد خطوات من البيوت.
وهنا لا بد من تحميل المواطن نصيبه الكامل من المسؤولية. فمرحلة ما بعد الحرب لا تحتمل عقلية “ارمِ وهم ينظفوا”، ولا يمكن بناء مدينة محترمة بسلوك عشوائي يُكرّس الفوضى ويُهدد السلامة العامة. الوعي ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تبدأ من باب البيت وتنتهي عند احترام الشارع والحي.
رسالة عاجلة إلى ولاية الخرطوم، ولجنة إعادة الإعمار، والشرطة:
إن ما يجري داخل الأحياء من فوضى بيئية وصحية يستوجب تدخلاً حاسمًا لا يحتمل التأجيل. المطلوب تحرك ميداني عاجل لإزالة مكبات النفايات من القطع الفارغة، وإلزام أصحابها بتسويرها فورًا، وتفعيل القوانين التي تُجرّم رمي النفايات في غير مواضعها، مع فرض غرامات رادعة دون استثناءات أو مجاملات.
كما أن لجنة إعادة الإعمار مطالبة بالنظر إلى النظافة والانضباط الحضري باعتبارهما جزءًا أصيلاً من معركة البناء، لا قضية هامشية تُؤجل. فلا معنى لإعادة إعمار طرق وجسور، بينما الأحياء تتحول إلى بؤر للأوبئة.
أما الشرطة، فدورها لا يقل أهمية، ليس فقط في محاربة الجريمة، بل في فرض هيبة القانون داخل الفضاء العام، عبر الرقابة، والمساءلة، والتواجد الفاعل. ويظل التوسع في كاميرات المراقبة بالشوارع والأسواق ضرورة ملحة لضبط السلوك الفوضوي، وحماية المواطنين، كما هو معمول به في كل مدن العالم التي تحترم النظام.
إعادة الإعمار لن تنجح بنصف قرارات، ولا بخطاب ناعم أمام تجاوزات صارخة. نحن بحاجة إلى دولة حازمة، ومواطن واعٍ، وقانون يُطبق على الجميع. فإما أن نغتنم فرصة ما بعد الحرب لبناء مدينة منضبطة ونظيفة، أو نُعيد إنتاج الفوضى بأيدينا، وندفع ثمنها صحةً وأمنًا واستقرارًا.
غابات القمامة ليست قدَرًا…
بل اختبارًا حقيقيًا لجدّيتنا في بناء ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى