
*فلتلزم أماني الطويل غرزها ..بقلم د. إسماعيل الحكيم ..*
Elhakeem.1973@gmail.com
لم يعد مستغربًا في هذا الزمن أن يتجرأ بعض المتحدثين على ما لا يعلمون، لكن المستغرب حقًا أن يبلغ التجرؤ حدّ الحديث باسم دولةٍ ذات سيادة وإعتبار . وحضور رغم كونها تخوض حربًا وجودية، ونسبة مواقف وقرارات لقيادتها دون تفويض أو دليل أو حتى حدٍّ أدنى من المسؤولية الأخلاقية. هذا تمامًا ما وقعت فيه أماني الطويل، حين نصّبت نفسها ناطقة بلسان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وادّعت ـ زورًا ـ أن ما يتعرض له بعض السودانيين من تضييق متعمد وملاحقات متكررة في جمهورية مصر العربية يتم بموافقته أو بعلمه.
إن هذا القول لا يندرج تحت خانة الرأي، ولا يُحسب على التحليل السياسي، بل هو تضليل فجّ، واعتداء صريح على الحقيقة، ومحاولة مكشوفة لتوريط الدولة السودانية في حكايات ملفقة، لا تستند إلى وثيقة ولا تصريح ولا قرينة واحدة ذات مصداقية.
السودان اليوم بلد ينزف وتحاصره حرب ما زالت نيرانها مشتعلة، وقد دفعت هذه الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء القسري. وهؤلاء، بحكم القانون الدولي الإنساني ، وبموجب كل الأعراف والمواثيق، يتمتعون بحماية كاملة تحرّم استهدافهم أو التضييق عليهم أو الزجّ بهم في معادلات سياسية أو إعلامية رخيصة. وهذه ليست مسألة اجتهاد، ولا وجهة نظر، بل نصوص واضحة لا تقبل التأويل.
وعليه، فإن الزعم بأن القيادة السودانية ـ أو الفريق البرهان تحديدًا ـ قد وافقت أو باركت أي إجراء يمس كرامة السودانيين اللاجئين، هو افتراء سياسي مكتمل الأركان، لا يمكن تفسيره إلا كواحد من ثلاثة أمور: جهل فاضح بالوقائع، أو سوء نية متعمد، أو محاولة يائسة لصناعة دور عبر الإثارة والتشويش.
ولئن جاء رد سفير السودان لدى مصر، الفريق عماد عدوي، واصفًا هذه الادعاءات بأنها “وهم”. وهو توصيف دقيق في معناه، لكنه ـ للأسف ـ لا يوازي حجم التجاوز، ولا يكفي لردع هذا النوع من الخطاب المتفلت الذي يتغذى على الصمت، ويزدهر في المناطق الرمادية.
فالقضية هنا أعمق من كونها تصريحاً أو تحليلاً متهوراً ، إنها تعدٍّ سافر على السيادة المعنوية للسودان، ومحاولة غير مقبولة لإملاء مواقف عليه، والتحدث باسمه، والتلاعب بواحد من أكثر ملفاته حساسية ألا وهو ملف كرامة مواطنيه في زمن الحرب.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، دون مواربة أو دبلوماسية زائدة ، من أعطى أماني الطويل ـ أو غيرها ـ حق الحديث في شأن سوداني خالص؟ ومن خوّل لها أن تنسب مواقف لقيادة دولة، وكأن السودان بلا لسان، أو بلا مؤسسات، أو بلا ممثلين رسميين؟
إن الشأن السوداني ليس مادة تحليلية سائبة، ولا ساحة اختبار للنوايا أو تصفية الحسابات أو كسب الأضواء. ومن يظن أن انشغال السودان بحربه يمنح الآخرين رخصة للحديث باسمه، فهو واهم، أو متواطئ مع الوهم.
ومن هنا، فإن مسؤولية وزارة الخارجية السودانية لا ينبغي أن تقف عند حدود الردود التوضيحية، بل يجب أن تنتقل إلى مرحلة الحسم ، حسم هذا النوع من التفلت الإعلامي، ووضع سقف واضح لكل من يتجاوز، أياً كان موقعه أو صفته، حفاظًا على هيبة الدولة، وحماية لحقوق السودانيين، ومنعًا لتكرار هذه الانزلاقات مستقبلًا.
فالصمت هنا ليس تعقّلًا، بل تفريط.
والتساهل ليس حكمة، بل تشجيع.
والتاريخ لا يرحم من سمحوا للتضليل أن يتكلم باسمهم، ثم تظاهروا بالدهشة.



