البرهان والتلفزيون القومي… دلالات الزيارة وحدود التعهدات بقلم : إدريس هشابه

البرهان والتلفزيون القومي… دلالات الزيارة وحدود التعهدات
بقلم : إدريس هشابه
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل حضور رأس الدولة إلى مبنى التلفزيون القومي حدثًا نادرًا، إن لم يكن غائبًا تمامًا، ما جعل زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للتلفزيون مرتين خلال عامين ملاحظة سياسية وإعلامية تستحق التوقف عندها والتحليل.
هذه الزيارات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد نشاط بروتوكولي، بل تأتي ضمن نهج واضح اتبعه رئيس مجلس السيادة منذ اندلاع الحرب، قوامه الحضور في المواقع والمناسبات التي تستدعي وجود رأس الدولة، تأكيدًا على رمزية الدولة واستمرارية مؤسساتها، حتى في أحلك الظروف.
زيارة البرهان الأخيرة إلى مبنى التلفزيون القومي حملت في ذاتها بعدًا استثنائيًا، غير أن إعلان فك حصار مدينة كادقلي من داخل التلفزيون كان الحدث الأبرز الذي طغى على الزيارة نفسها. فاختيار منصة التلفزيون القومي لإعلان نصر ميداني بهذا الحجم، ينطوي على رسائل سياسية وإعلامية عميقة، أبرزها إعادة الاعتبار للتلفزيون بوصفه المنبر الرسمي الأول للدولة، وصوتها المباشر في مخاطبة الشعب عند المنعطفات المفصلية.
إعلان فك حصار كادقلي من شاشة التلفزيون القومي لا يعكس فقط إنجازًا عسكريًا، بل يؤكد إدراكًا متقدمًا لأهمية معركة الوعي، ودور الإعلام الرسمي في تثبيت الرواية الوطنية، وربط المواطن بمؤسسات دولته في لحظات التحول الكبرى.
الزيارة الحالية ليست الأولى؛ فقد سبق لرئيس مجلس السيادة أن زار التلفزيون القومي في بورتسودان، وأعقبت تلك الزيارة قرارات أسهمت في تحسين أوضاع المؤسسة والعاملين بها. غير أن الواقع العملي كشف أن عددًا من التعهدات لم يُنفذ كما أُعلن، ليس بالضرورة لغياب الإرادة السياسية، وإنما بسبب ضعف المتابعة، وتعقيدات التنفيذ، والخلل المؤسسي المزمن داخل منظومة الدولة، الذي كثيرًا ما يحول دون تحويل القرارات إلى أفعال مستدامة.
هذا الخلل المؤسسي يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة، حيث تتآكل القرارات في منتصف الطريق بين صدورها وتنفيذها، في غياب آليات رقابة فعّالة، وتنسيق مؤسسي محكم، يضمن استمرارية الالتزام بالتعهدات، خاصة في القطاعات الحيوية كالإعلام الرسمي.
من هنا، تتجدد الآمال بأن تمثل هذه الزيارة نقطة تحول حقيقية، لا على مستوى الرمزية السياسية فحسب، بل عبر إحداث اختراق عملي يعيد للتلفزيون القومي مكانته، من حيث البنية، والدور، والرسالة. فالتلفزيون، في زمن الحرب وإعادة بناء الدولة، ليس مؤسسة خدمية هامشية، بل أداة سيادية، وركيزة أساسية في معركة الوعي، وصناعة الإجماع الوطني.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في إطلاق التعهدات، بل في بناء منظومة مؤسسية قادرة على متابعتها وإنفاذها، حتى لا تظل الزيارات الكبرى محمّلة بالرسائل، فيما تبقى نتائجها أسيرة الاختلالات القديمة.



