*عندما يتحدث القائد بلغة العصر . بقلم د. إسماعيل الحكيم

*عندما يتحدث القائد بلغة العصر . بقلم د. إسماعيل الحكيم*
Elhakeem.1973@gmail.com
ضجّت الأسافير، وتكاثرت القراءات، واختلفت الزوايا، عقب ظهور الفريق أول عبد الفتاح البرهان في حوار باللغة الإنجليزية، حوارٌ قيل الكثير عن وسيلته، وقيل أكثر عن أداته، حتى طغى النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي على جوهر الرسالة نفسها.
والحق أن التوقف عند الوسيلة دون فهم الرسالة ظلمٌ للحدث، بل وتفويتٌ لمعناه الأعمق.
ولما كنا في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُدار بالسلاح وحده، بل بالصورة، والخطاب، واللغة، ومنصات التأثير، يصبح امتلاك أدوات العصر جزءاً من معركة الوجود ذاتها. ومن هذا المنظور، فإن ظهور البرهان في حوار موجه للعالم الغربي بلغته، وبأدواته، ليس خطاباً سياسياً، ولا استعراضاً تقنياً فحسب ، إنما خطوة محسوبة في اتجاه مخاطبة العالم من داخله لا من هامشه.
فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة تواصل، بل جسر. والذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، ولكنه أداة في يده إن أحسن استخدامها.
ولقد أدرك البرهان – أو هكذا يبدو – أن إيصال الصوت السوداني إلى الغرب لا يمر عبر الترجمة وحدها، بل عبر تفكيك المسافة النفسية والثقافية، ومخاطبة الآخر بلغته، وبمنطقه، وبأدوات العصر التي يفهمها ويحترمها. وهذه في حد ذاتها رسالة سياسية ناعمة، لكنها عميقة الأثر متينة البنيان محددة الوجهة والإتجاه ..
والأهم من ذلك، أن هذا الظهور يحمل بين سطوره إعلاناً غير مباشر،
أن السودان، رغم الحرب، ورغم الدمار الذي طال بنيته التحتية، لم يُهزم وعيه، ولم يتخلف عن ركب العصر، ولم يرفع الراية البيضاء أمام التحولات التقنية المتسارعة عجزاً وضعفاً .
كأن البرهان يقول للعالم ،
نحن في قلب العاصفة، نعم…
لكننا لسنا خارج الزمن.
إن القيادة التي تجاري متطلبات العصر، وتفهم أدواته، وتحسن توظيفها، هي وحدها المؤهلة لقيادة النهضة والتعافي. فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعقول القادرة على فهم التحول والتعامل معه دون أن تفقد ثوابتها.
ومن هذه الزاوية، يُحسب هذا الظهور للبرهان، لا لأنه استخدم الذكاء الاصطناعي، بل لأنه لم يخف منه، ولم يتعامل معه كخطر، بل كوسيلة يمكن تسخيرها لخدمة قضية عادلة، ورؤية واضحة، وباسم شعبٍ يستحق أن يُسمَع صوته في المنصات العالمية لا عبر وسطاء.
هي في النهاية والبداية رسالة تقول إن السودان لا يطلب تعاطفاً، إنما فهماً. ولا يمد يده ضعفاً، إنما يقدم قضيته بثقة من يعرف عدالة موقفه.
فنحن نعيش في زمن تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على الحضور في فضاء التأثير العالمي، كان هذا الظهور إعلاناً صامتاً بأن المعركة لم تعد في الميدان وحده، بل في الوعي أيضاً… وأن السودان، مهما أثقلته الحرب، ما زال قادراً على أن يكون حاضراً في قلب تطورات العصر، لا على هامشها.


