
*إيران: الثورة الإسلامية منعطف استراتيجي لا مثيل له في التاريخ*
لندن – د. أحمد الزين – الاربعاء في 4-2-2026:
هذا العام، تتزامن ذكرى ولادة الإمام المهدي (عج) في 15 شعبان، مع ذكرى أيام ”عشرة الفجر“، في الذكرى السنوية الـ 47 لإنتصار الثورة الإسلامية في إيران. هذه الثورة المباركة التي لا يماثلها اي ثورة في التاريخ، لانها قامت على مبادئ إسلامية مأخوذة من احكام القرأن الكريم وسنة رسول الله (ص)، وأهداف ثورية وجهتها التخلص من الظلم والفساد والطغيان والاستبداد، وأحكام تحررية غايتها تحرير الانسان الغارق في دنيا المادية المتوحشة والمبتلى بغياهب الجهل والجاهلية والتبعية والاستعباد.. وتوفير له حياة حضارية يسودها قيم الإيمان والتقوى والمثل والاخلاق (وليس قيم الحضارة الغربية القائمة على الفساد والانحطاط والشذوذ والطقوس الشيطانية باغتصاب الاطفال والقاصرات.. ملف فضيحة جزيرة ايبستين – أنموذجا) وتثبيت قواعد العدالة الاجتماعية والقضاء العادل والمساواة والأخاء والانسانية والرقي والتقدم والأمان والسلام بما يتلائم مع الفطرة البشرية.. وولادة هذه الثورة المباركة هي أمتداد لتلك الولادة الميمونة، وتتطابق أفكارها وأهدافها مع غايات ظهور الإمام القائم المنتظر (عج) المنقذ للبشرية من ويلات الجور والظلم والطاغوت والجبروت، ليملأ الارص قسطا وعدلا وأمنا وسلاما.. حتى يحقق العدالة المطلقة، وينصر الدين الحق، وينتقم من أعداء الله، ويقيم دولة العدل الكبرى.
لذا، نبارك للجمهورية الإسلامية قيادة وحكومة وشعبا هذا الإنجاز العظيم الذي حققه مؤسسها الإمام الراحل الخميني (قده)، بانتصار الثورة الاسلامية والتي شكّلت تحولا سياسيا جذريا وحدثا مفصليا ومنعطفا إستراتيجيا في رسم الخارطة الجيوسياسية، وتغييرا في التحالفات، وانقلابا في موازين القوى في المنطقة والعالم. كما أنها أعادت للشعب الايراني عزّته وكرامته وحريته وأستقلاله بعد عقود من سياسات العبودية والاستبداد والظلم والقمع والطغيان من قبل نظام الشاه وسلالة الشاهنشاهية الملكية المرتهنة للتبعية الغربية والخاضعة للسياسات الامريكية -البريطانية -الصهيونية.
ومن إنجازات الجمهورية الإسلامية ونظامها المنبق من هذه الثورة هي تلك القفزة النوعية الرائدة في العلوم والمعرفة والتصنيع الى حد الاكتفاء الذاتي، وفي مشروعها التحرري والنهضوي والاستنهاضي، وتعاظم قوتها وأقتدارها باعتمادها على القدرات الذاتية والخبرات الوطنية في كافة المجالات وانتقالها الى مصاف الدول الكبرى بل تضاهيها في الطفرة البحثية والانجازات والابتكارات والتجارب العلمية والتقنية والاختراعات والتطور في مجالات الفنون والصحة والادوية والنقل والزراعة والصناعة وتصنيع الاسلحة من طائرات مسيرة وصواريخ باليستية وفرط صوتية، وغواصات واقمار صناعية.. وبالاضافة الى انشطة التخصيب النووية السلمية وتقنية النانو وعلوم الفضاء والكهرومغناطيسية.
ومن بركات هذه الثورة الإسلامية انها اتخذت من الوحدة الإسلامية هوية لها، وعملت على تعزيز وحدة المسلمين والتنسيق لتوحيد اكلمتهم، وتفعيل التقارب والتعاون بين المذاهب الاسلامية وغير الاسلامية، واعتمدت سبل الحوار ومبدأ حسن الجوار بين الشعوب على اختلاف معتقداتهم وتياراتهم ومكوناتهم.. حيث يقول الإمام الخميني (قده): ”نحن مع الجميع على السواء لا نفرق بين أحد”.
و من احدى التأثيرات الفكرية انها أعطتها هوية جديدة للثورة فأضحى الصراع صراعا بين المستضعفين والمستكبرين، مما ساهم في امتداد الفكر وتصدير الثورة اقليميا وعالميا، ومما أدى الى قيام الصحوات الاسلامية والحركات الثورية والسياسية والحزبية التي وصلت الى شعوب المنطقة وشكلت دافعا وحافزا للمظلومين قهرا والمستضعفين سياسيا والمهمشين اجتماعيا للمطالبة بالاصلاحات واستعادة حقوقهم المشروعة بالتحرر والحرية والاستقلال.. من خلال تنظيم التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات لمواجهة أنظمة الطواغيت والحكام الفاسدين والظالمين.
ومن أهم الإنجازات الاستراتيجية للثورة الإسلامية هو إنشاء محور المقاومة والممانعة ودعمه، وتراكم قدراته وطاقاته ونقل الخبرات والعتاد الى المقاومين والمجاهدين في لبنان والعراق واليمن وفلسطين الذين استطاعوا كسر شوكة الصهاينة وتحقيق الانتصارات تلو الانتصارات وتحرير الارض في لبنان، وخلق قوة توازن الردع والرعب مع الكيان الصهيوني، كما انه بفضل توحيد الموقف ووحدة المسار والمصير لمحور المقاومة استطاعوا دحر مشروع محور الشرّ الامريكي الصهيوني والإرهاب التكفيري، ووقف تمدد الإرهابيين الداعشين والتكفيرين نحو مدنهم وعواصمهم، وإفشال مشاريعهم الاحتلالية الاستعمارية لتقسيم دول المنطقة، وسرقة نفطهم وغازهم وثرواتهم وتغيير انظمتهم الوطنية الثورية الى انظمة خاضعة منبطحة متماهية مع مخططاتهم ومؤامراتهم.. من أجل ضمان أمن الكيان الصهيوني وتثبيت وجوده غير الشرعي في المنطقة.
ورغم كل ما تعرضت له إيران من تحديات واستهدفات واغتيالات ومحاولات انقلابية وحروب، فإن هذه الثورة المباركة لا تزال قوية وثابتة ومنتصرة…. ولا تزال تضع كل إمكانياتها وخبراتها وقدراتها في دعم وإسناد كل حركات التحرر في العالم وقضايا المستضعفين وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ومن الاسباب التي جعلت النظام في الجمهورية الاسلامية ثابتا صامدا في خط تصاعدي وعصيا على الانكسار او السقوط، هو الاعتقاد الراسخ بالإسلام المحمدي الاصيل، وبفكر أهل البيت (ع) والاقتداء بإرثهم الجهادي والسير على نهجهم، والتمسك بمبادىء الثورة الهادفة للتحرر من الهيمنة والتبعية والاستبداد، بالاضافة الى وحدة الشعب الايراني ووعيه واليقظة الجماهيرية المليونية والتفافهم حول القيادة الحكيمة ودعمهم للنظام، شكل خط دفاع اساسي وجدار حصين أمام الحصار والعقوبات الاقتصادية الظالمة والحروب المفروضة عليه من قبل القوى العظمى على مدى47 عاما، بدءأ من الحرب العراقية (1980-1988)، الى استغلال الانظمة الغربية الاحتجاجات الداخلية على أثر موت الشابة مهسا أميني الطبيعي (أيلول/ سبتمبر 2022)، الى المواجهة العسكرية المباشرة أثناء حرب الإثني عشر يوماً (13 حزيران/ يونيو 2025)، ثم التدخل المباشر لأجهزة الموساد والاستخبارات الامريكية في إثارة الاضطرابات الداخلية بسبب المطالب المعيشية لضرب الوحدة الوطنية ونشر الفوضى والقتل المتعمد.. واخيرا وليس اخرا، التهديدات الترامبية وتحشيد الاساطيل العسكرية الامريكية لشنّ حرب نفسية وحرب عسكرية على إيران لدفعها الى الخضوع او التنازل او الاستسلام لاملاءات ترامب وادراته فيما يتعلق ببرنامجها النووي السلمي وبرنامجها الصاروخي الدفاعي، ونفوذها في المنطقة ووقف دعم حركات المقاومة.
ومن اسباب قوة الجمهورية الاسلامية هو دستورها الفريد الذي نص على اعتماد الإسلام كدين رسمي للبلاد، وتبني مبدأ الانتخابات التي هي تجسيد للسيادة الشعبية الدينية، وسيادة المبادئ الإلهية وتطبيق الأحكام الإلهية وحاكمية دين الله وحاكمية الإسلام، ونصرة المستضعفين.. ولأن هذه الثورة تحمل مشروعا دينيا تحرريا ذي أبعاد إنسانية وقيمية، أعطت صورة ناصعة عن الإسلام وعن نموذج الحكومة الاسلامية كتجربة للبشرية، التي حققت للامّة العزة والكرامة، وألهمت الاوطان للتحرر من الدوائر الاستعمارية الاستكبارية، وعززت إرادة الشعوب المستضعفة للتخلص من المستكبرين والإسلام الأمريكي كما كان يسميه الإمام الخميني (قده)، وأثبتت تجربة الحكم الاسلامي بأن هذا الإسلام هو دين الرحمة والانسانية والتعايش والتسامح والاخاء والبناء، ومنهج حياة متكامل، ونظام إسلامي عصري تنويري لا مثيل له يطفو على المسرح السياسي العالمي كنموذج ثالث فريد (نظام لا شرقية ولا غربية) يُرسّخ لقِيَم السماء والفضيلة والخير والاخلاق والحرية والعدل والمساواة والسلام، وليس دين العنف والتطرف والارهاب ودين القتل والحروب والتدمير.. كما هو ديدن الدين الامريكي الترامبي الخليجي الارهابي التكفيري.. وليس دين العنصرية والتطهير العرقي والفصل العنصري والابادة الجماعية والاحتلال والاستيطان وسرقة الأوطان الذي هو ديدن الدين الصهيوني النتنياهوي الماسوني الالحادي..



