
*مصر وإحسان النهايات*
*د. الهيثم الكندي يوسف*
منذ عدوان الامارات بزراعها المحلي مليشيا الدعم السريع علي السودان ، والانتهاكات التي قامت بها تلك المليشيا ، لم يجد السودانيون مفراً من اللجوء الي دول الجوار ، واتجه النصيب الاكبر منهم لجمهورية مصر لأسباب وجدانية وأسباب أخري مرتبطة بجغرافيا الحرب .
فتحت مصر أبوابها لهم فكان الشعب المصري هو الملاذ والسند .
رأينا السوداني في فيصل كأنه في أمدرمان وشاهدنا المودة من المواطن المصري الذي تقاسم مع القادمين الجدد لقمة العيش والسكن فكان تجسيداً لوحدة المصير ولم تكن تلك الأصوات القليلة التي حاولت بث الفتنة إلا نشازاً غاب وسط الترحيب .
لا يختلف اثنان في أن للدولة المصرية كامل الحق السيادي في تنظيم الوجود الأجنبي على أراضيها ، فهو شأن أمني وقانوني لكن ما يدمي القلب في الآونة الاخيرة هي المشاهد والانباء المتواترة عن حملات التضييق الأمني التي طالت السودانيين .
إن طريقة القبض على النساء والأطفال والمرضى والزج بهم في أماكن احتجاز لا تليق بالكرامة الانسانية وصولاً إلى أخبار مؤلمة عن حالات وفاة داخل الحراسات ، هو أمر يتنافى مع أخلاق الجوار .
اننا لا نعترض على القانون بل ننشد روح القانون وآلية تنفيذه التي يجب أن تكون حضارية تراعي حال الفارّين من جحيم الحرب .
إن معظم السودانيين الموجودين الآن في مصر يمثلون إضافة اقتصادية حقيقية فهم يحركون سوق العقارات ويحركون مواعين النقل وينعشون حركة البيع والشراء ويضخون العملة الصعبة التي تأتيهم من مدخراتهم أو ذويهم بالخارج .
مع بشائر النصر التي يحققها الجيش السوداني واستعادة الخدمات في المناطق المحررة بدأ الكثيرون بالفعل في ترتيب حقائب العودة بانتظار انتهاء العام الدراسي في مايو المقبل .
وهنا نوجه رسالة للسلطات المصرية
أن أحسنوا النهايات فالذكريات الطيبة هي الرصيد الباقي ، ولا تجعلوا هذه الشهور الأخيرة تلطخ صورة سنوات من الإخاء والمعروف .
إن منح الناس مهلة كافية لتقنين أوضاعهم أو ترتيب رحيلهم بكرامة هو ما ننتظره من الإخوة في مصر فالسوداني الذي دخل بيوتكم ضيفاً لا يصح أن يخرج منها منكسرا .
لا نريد اليوم أن نستدعي سجلات التاريخ لنذكر بفتح السودان لأراضيه للطيران المصري والكلية الحربية في أحلك الظروف ، أو مشاركة الجيش السوداني في حروب مصر الوجودية فهذا واجب الأشقاء لا يمن به .
لكن على لغة المصالح أن تتحدث أيضاً فالسودان سيظل هو الظهير الاستراتيجي والعمق الأمني لمصر ، والتحديات والمخاطر التي تواجه مصر تؤكد أن البلدين جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الآخر بالسهر والحمى وما حدث في الستينات والسبعينات ليس ببعيد عن مصر اليوم أو غداً .
إن الحفاظ على الود مع الإنسان السوداني البسيط هو استثمار في أمن مصر القومي قبل أن يكون واجباً أخلاقياً ، خاصة وان لمصر مكانة خاصة في الوجدان السوداني .
إننا نأمل أن تتدخل الحكمة السياسية لوقف هذه التجاوزات وأن يظل الود المتبادل هو العنوان الأبرز لهذه التجربة حتى نعود لبلادنا ونحن نحمل لمصر في قلوبنا شكراً لا يشوبه كدر .
كما ندعو الحكومة السودانية متمثلة في مجلس السيادة ووزارة الخارجية ان تولي هذا الموضوع إهتمامها وتحركها الجاد ، فكما سمت حربها مع المليشيا بحرب الكرامة وهي لعمري كذلك ، إلا أنه من واجبها أن لا تري كرامة السوداني تهان في أي مكان فالأخلاق لا تتجتزأ .



