اخبار عالمية
أخر الأخبار

​في منتدى “إسناد” بالقاهرة: نخب سودانية تفتح الصندوق الأسود لأزمة دارفور، والدكتور يوسف كبر يفكك شيفرة الصراع بأطروحاته

​في منتدى “إسناد” بالقاهرة: نخب سودانية تفتح الصندوق الأسود لأزمة دارفور، والدكتور يوسف كبر يفكك شيفرة الصراع بأطروحاته.

القاهرة رصد : واصله عباس

*مدخل* :

​يُعد منتدى مبادرة إسناد لدعم المتضررين من الكوارث والحروب في مصر منصةً فكريةً استثنائية ، حيث استضافت مائدة مستديرة رفيعة المستوى لمناقشة وأطروحة الدكتور يوسف كبر، الموسوعة ب
*”السودان.. أزمة دارفور الجذور والوقائع والحلول”* هذا التقرير يرصد المجريات الفكرية والتحليلية التي لم تكتفِ بسرد التاريخ، بل غاصت في عمق الجراحة السياسية والاجتماعية للسودان.، وذلك بتشريف الأستاذة أميرة الفاضل رئيس مجلس ادارة جمعية إسناد لدعم المتضررين من الكوارث والحروب في مصر، والسفير كمال حسن علي،. وأدار المنتدى السفير والإعلامي العبيد المروح ، وقد شهد المنتدى حضورا متنوعا من الطيف السياسي والإعلامي والمهتمين بالشأن الدارفوري .

*​الوعي السياسي وتوثيق الانهيار الأمني*

​استهل الدكتور يوسف كِبر حديثه بتفكيك البنية الهيكلية للاستقرار الذي كان يميّز دارفور، موضحاً أن أطروحته لا تبحث في “النتائج” بقدر ما تفتش في “المقدمات”. وأشار إلى أن عام 1965 كان لحظة “الانفجار الديمقراطي الواعي” لأهل الإقليم عبر اتحاد نهضة دارفور، الذي انتزع شرعيته من صناديق الاقتراع، ليواجه بصلف مركزي حوّل المطالب التنموية إلى “تمرد” في نظر الخرطوم.
​وتوسع الدكتور كبر في شرح كتابه موضحاً أن الصراع انتقل من “نزاع الموارد” التقليدي إلى “تسييس الهوية”، مستعرضاً لغة الأرقام التي توثق تحول “النهب المسلح” من ظاهرة إجرامية عابرة في الثمانينيات (بمعدلات لم تتجاوز العشرات) إلى منظومة عسكرية موازية في التسعينيات تجاوزت حوادثها المئات سنوياً. وأكد المؤلف أن الكتاب يغطي أيضاً “فشل الآليات العرفية” (الجودية) في الصمود أمام تدفق السلاح العابر للحدود، مما حول الإقليم من ساحة للتعايش إلى مختبر للصراعات الإقليمية والدولية، معتبراً أن غياب الرؤية الوطنية الشاملة هو الذي جعل من “اتفاقيات السلام” مجرد مسكنات مؤقتة لم تلامس جذور الأزمة.

​ *تفنيد الأساطير العرقية ومعضلة الهوية القومية*

​ركز الدكتور عبد الرحمن الخضر على الجانب الإداري والتاريخي، مفنداً فرضيّة “الانضمام الطارئ” لدارفور، مؤكداً أنها كانت دائماً في قلب السيادة السودانية. وحذر الخضر من خطورة “هندسة العرق” في الإقليم، مؤكداً أن السودان هو بوتقة انصهار فريدة، وأن أي محاولة لفرز المكونات على أساس نقاء عرقي هي “وهم سياسي” يغذي الحرب. وأوضح أن الصراع حول “المراحيل” والديار ليس صراعاً قبلياً بل هو فشل في “التخطيط التنموي” الذي عجز عن استيعاب التحولات الاقتصادية للرعاة والمزارعين.

*​ الصراع الوجودي وضغط الهجرات الكبرى*

​قدم د. الفاتح عبد العزيز رؤية نقدية للمأزق البيئي والجغرافي ، معتبراً أن دارفور ضحية لموقعها في حزام الساحل الأفريقي. وأشار إلى أن “النزوح نحو النيل” ليس مجرد حركة سكانية، بل هو ضغط ديموغرافي يولد احتكاكاً وجودياً. كما وضع يده على الجرح القانوني بالتفريق بين “الديار” (كحق تاريخي) و “الحواكير” (كمنح سلطانية)، مؤكداً أن التلاعب بهذه المفاهيم كان الوقود الذي أشعل نيران الصراع المسلح.

​ *شهادة الممارس وارتدادات “ماشاكوس”*

​أشاد البروفيسور إبراهيم آدم بقيمة الكتاب كونه “شهادة من داخل المطبخ السياسي”، حيث تدرج المؤلف في كافة مستويات الحكم. وأوضح كيف أن اتفاقية “ماشاكوس” التي مهدت لانفصال الجنوب، أرسلت إشارة خاطئة لأبناء دارفور بأن “البندقية هي أقصر الطرق لنيل الحقوق”، مما حول المطالب المطلبية إلى طموحات عسكرية واسعة، مثمناً شجاعة المؤلف في نقد تجربة الحكم التي كان جزءاً منها.

​ *الاختراق القانوني ونبوءات التمرد المنسية*

​قدم مولانا طيفور محمد عيسى وكيل النيابة الأسبق والقانوني مداخلة قانونية وأمنية عميقة، كشف فيها عن “الفرص الضائعة” لمنع الانفجار الكبير. وأكد أنه بصفته القانونية والعدلية، اطلع على محاضر وقائع مبكرة تعود لعام 2001 (أحداث عديد السايل وما تلاها)، حذرت صراحة من أن ما يحدث ليس مجرد نهب مسلح، بل هو “نواة لتمرد منظم” تقوده شخصيات بعينها مثل عبد الواحد نور، ولكن السلطة السياسية حينها لم تعر تلك التقارير الاهتمام الكافي.
​وانتقد مولانا بشدة نظام “الشرطة الولائية” التي تم بناؤها على أسس محلية وقبلية، مما جعلها “رهينة” للتوازنات الاجتماعية وفقدت هيبتها القومية في فض النزاعات كما هاجم الاعتماد المفرط على “الدية العجاجية” والأعراف التي تُسقط الحق العام وتسمح للجناة بالإفلات من العقاب، مؤكداً أن انهيار سيادة القانون في دارفور بدأ عندما حلت “التسويات القبلية الهشة” محل “العدالة الناجزة”، وهو ما مهد الطريق لاستخدام القوة البديلة خارج إطار الدولة.

​ *المكاشفة السياسية والفرز الاجتماعي للصراع*

​اتسمت هذه المداخلة بالجرأة؛ حيث طالبت الأستاذة قمر هباني بضرورة تسمية الأشياء بمسمياتها، منتقدةً عدم التوسع في تحليل نشأة “قوات الدعم السريع” وتحولها من حرس حدود إلى فاعل عسكري رئيسي. ومن جانبها، قدمت الدكتورة نعيمة تحليلاً إحصائياً لافتاً من واقع الكتاب، مشيرة إلى تكرار طرف قبلي واحد في 22 نزاعاً من أصل 54، داعيةً إلى دراسة سيكولوجية وسياسية لهذا الظهور المتكرر لفهم ديناميكيات العنف في الإقليم.

​ *الفاشر.. حين يتجاوز الواقع خيال الكارثة*

​نقل الإعلامي خالد أبورقة المنتدى إلى “جحيم الواقع”، متحدثاً عن المأساة الإنسانية في الفاشر. ورسم صورة تقشعر لها الأبدان عن “موت النسيج الاجتماعي”، حيث أصبحت الجثث تنهشها الكلاب والمجاعة تدفع الناس لأكل الجلود. وأكد أن الأزمة الحالية تجاوزت كل الإحصائيات التي وردت في الكتب، وأن ما يحدث الآن هو “محو للوجود الإنساني” في الإقليم، مما يتطلب حلاً لا يكتفي بالسياسة بل ينقذ “الإنسان” أولاً.

*رؤية نقدية :*

في ختام المنتدى، قدم السفير كمال حسن علي رؤية نقدية استندت إلى محورية “الموثوقية” في كتاب الدكتور كبر، كونه شهادة من صانع أحداث لا ناقل لها. وحصر السفير جذور الأزمة ومفاتيح حلها في ثلاثة أبعاد جوهرية:
​البُعد التنموي: اعتبر أن غياب الخدمات وتوقف التصنيع المحلي رغم ثراء الإقليم، جعل من الشباب صيداً سهلاً للاستقطاب العسكري نتيجة البطالة.
​البُعد الإداري والدولي: أشار إلى خلل التوازن في تمثيل أبناء الإقليم بمفاصل الدولة، منتقداً التوظيف الدولي للقضية منذ 2004 الذي سعى لإضعاف المركز لا حل الأزمة.
​البُعد الاجتماعي (رسالة إسناد) أكد أن الحل يبدأ من “التعافي الاجتماعي” وتجاوز المرارات، مشدداً على أن مبادرة “إسناد” تسعى لترميم النسيج الذي أفسدته الحرب كخيار وحيد للنهوض بالسودان مجدداً.

​ *خاتمة ومسؤولية تاريخية:*

إن هذا المنتدى، من خلال تشريح أطروحة الدكتور كِبر، أثبت أن أزمة دارفور لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت سلسلة من الإخفاقات السياسية والأمنية والقانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى