تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على القرن الأفريقي بقلم حياة حمد اليونسابي

في الرابع عشر من فبراير 2026، لم تكن الندوة الدولية الموسومة بـ «تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على القرن الأفريقي» مجرد فعالية أكاديمية عابرة، بل كانت أقرب إلى جلسة استماع للتاريخ وهو يتقلب على خاصرة الجغرافيا، وإلى محاولة لفهم كيف تتحول الخرائط حين تُوقَّع القرارات من بعيد، وتُدفَع أثمانها من دم الاستقرار القريب.
بورتسودان/ حياة حمد اليونسابي
اجتمع في الندوة أكاديميون وخبراء وإعلاميون وصنّاع قرار من القرن الأفريقي والوطن العربي، حاملين أسئلتهم الثقيلة: ماذا يعني أن تعترف إسرائيل بأرض الصومال؟ وأي ارتدادات يمكن أن تصيب الإقليم، والأمن القومي العربي، والقضية الفلسطينية، والبحر الأحمر الذي صار فجأة بحيرة سياسية مزدحمة بالأساطيل والرايات؟
الأوراق المقدمة لم تكتفِ بوصف المشهد، بل فتحت دفاتر السياسة والقانون والاستراتيجية معًا. تحدثت عن السياق التاريخي لانفصال أرض الصومال، وعن قابلية المنطقة لمزيد من التشظي، وعن مخاوف من أن يتحول الاعتراف إلى عدوى سياسية تشجع النزعات الانفصالية، وتعيد إنتاج الخرائط على مقاس المصالح لا الشعوب.
في البعد القانوني، دار النقاش حول مبادئ السلامة الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحول ما يُعرف بـ«الفصل العلاجي»، حيث أقر المشاركون بأن الجدل النظري قائم، لكن الموقف القضائي الدولي الحاسم غائب، وكأن القانون نفسه يقف مترددًا أمام إغراء السياسة.
أما في البعد الاستراتيجي، فقد بدت الدوافع الإسرائيلية – وفق ما طرحه المتحدثون – أوضح من أن تُخفى: موطئ قدم في القرن الأفريقي، نافذة على البحر الأحمر، موانئ يمكن أن تكون تجارية واستخباراتية في آن واحد، وتوازن جديد في مواجهة نفوذ قوى إقليمية ودولية مثل إيران وتركيا وروسيا. البحر الأحمر، الذي كان طريقًا للحجيج والتجارة، صار طريقًا للصراع والنفوذ.
وتوسعت المداولات إلى التداعيات الجيوسياسية، حيث أشار المشاركون إلى احتمال تصاعد العسكرة، واشتداد التنافس على القواعد العسكرية، وتزايد التوتر في خليج عدن وباب المندب. ولم يكن الصومال وحده في الصورة، بل إثيوبيا وجيبوتي، وكل دول الطوق البحري التي قد تجد نفسها أمام معادلة أمنية جديدة لا تملك مفاتيحها كاملة.
في قلب النقاش، ظل سؤال الاستقرار حاضرًا: هل يقود الاعتراف إلى استقلال سياسي أم إلى فوضى إقليمية؟ وهل يمكن تحقيق توازن بين طموحات الكيانات المحلية وحاجة المنطقة إلى وحدة تمنع الانفجار؟ الإجابة لم تكن حاسمة، لكن التحذير كان واضحًا: القرن الأفريقي يقف على حافة اختبار صعب، والبحر الأحمر لم يعد ممرًا محايدًا بل ساحة تجاذب مفتوحة.
وانتهت الندوة إلى جملة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى استراتيجية عربية موحدة تتعامل مع الخطوة باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم النفوذ في المنطقة، مع التأكيد على ضرورة إعادة تنشيط الحوار بين مقديشو وأرض الصومال في إطار الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بدل ترك المسألة رهينة الاعترافات الأحادية.
خلص المشاركون إلى أن الاعتراف – إن تم – سيظل حالة استثنائية لا ترقى إلى سابقة قانونية، لكنه يحمل في طياته خطر التحول إلى سابقة سياسية. وهنا، بدا المشهد أشبه بلوحة قلقة: خرائط تتحرك، وبحار تتسيّس، وحدود تُختبر، فيما يظل السؤال الكبير معلقًا في الهواء:
هل يكون الاعتراف بداية استقرار جديد… أم شرارة لزمن آخر من الانقسامات؟!