مقالات الرأي
أخر الأخبار

مجدي الروبي يكتب.. ترقيات على طريقة اضغط تحديث

مجدي الروبي يكتب..

ترقيات على طريقة اضغط تحديث

في بلادٍ أنهكتها الحرب، وأثقل كاهلها الاقتصاد، ما زالت بعض مؤسساتنا المدنية تثبت أن الإبداع لا يموت خاصة عندما يتعلق الأمر بـ الترقيات ففي مشهد يصلح لأن يكون حلقة خاصة من برنامج ساخر تحولت مسألة الترقي في بعض المؤسسات إلى ما يشبه السحب اليومي على الجوائز: قد تكون معاشيًا، أو متعاونًا مع العدو، أو حتى غائبًا عن المشهد تمامًا… لا بأس، فالترقية في طريقها إليك!
داخل أروقة وكالة السودان للأنباء (سونا)، المؤسسة التي يفترض أن تكون عين الدولة ولسانها، تدور همسات وأحيانًا ضحكات مكتومة حول كشوفات ترقيات أثارت دهشة العاملين. أسماء خرجت رسميًا إلى المعاش وأخرى تدور حولها شبهات تعاون وجدت طريقها إلى درجات أعلى وكأن المعايير أصبحت كل من له ماضٍ له مستقبل إداري مشرق
الأمر لا يقف عند حدود المفارقة، بل يمتد إلى سؤال منطقي كيف يجتمع المعاش مع الترقية؟ وكيف يجتمع الشك في الولاء مع مكافأة وظيفية. هل نحن أمام فلسفة جديدة في الإدارة العامة تُعرف بـ “إعادة تدوير الكفاءات الافتراضية”؟
المفارقة الساخرة أن الموظف المجتهد الذي ظل يحضر يوميًا، ويعمل في صمت، وينتظر سنوات ليستوفي شروط الترقية، قد يكتشف فجأة أن المنافسة لم تكن مع زملائه بل مع أسماء خارج الخدمة أساسًا! وهنا يصبح الاجتهاد مجرد هواية شخصية، لا علاقة لها بالمسار الوظيفي
أما في الطيران المدني السوداني فقد اختار بعض المنسوبين طريقة أقل رومانسية في التعبير عن دهشتهم الوقفات الاحتجاجية. موظفون خرجوا إلى العلن لا بحثًا عن أضواء، بل احتجاجًا على ما وصفوه بغياب العدالة في الترقيات والهيكل الوظيفي هناك، لم تكن السخرية كافية فاستُبدلت باللافتات والهتافات
المشهد في المؤسستين يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خطأ إداري نحن أمام خلل في معايير التقييم، وضبابية في الشفافية، وربما ثقافة ترى المنصب مكافأة اجتماعية لا مسؤولية وطنية. وفي زمن تحتاج فيه الدولة إلى كل جنيه، وكل جهد، وكل عقل مخلص، يصبح صرف مرتبات وترقيات لمن هم خارج الخدمة أو محل تساؤل مسألة لا تحتمل الضحك حتى لو كُتبت بسخرية
الترقية، في جوهرها، ليست زيادة في الراتب فحسب، بل رسالة تقدير ومعيار ثقة. وحين تختلط الرسائل يضيع المعنى، ويتحول المنصب إلى رقم، والدرجة إلى ورقة، والمؤسسة إلى مسرح.
قد نضحك اليوم على مفارقة المعاشي الذي ترقى لكن الضحك يخفي قلقًا حقيقيًا: كيف نبني دولة مؤسسات إذا كانت معايير الصعود فيها لا تُقاس بالكفاءة والانضباط، بل بمهارة الظهور في التوقيت المناسب؟
البلاد لا تحتمل مزيدا من الترقيات الكوميدية فهي تحتاج إلى إصلاح إداري حقيقي يبدأ من مراجعة كشوفات الترقي، ويمر عبر لجان مستقلة وشفافة وينتهي بثقافة مؤسسية تُعيد الاعتبار لمفهوم الاستحقاق
وإلى أن يحدث ذلك سيظل الموظف المجتهد يذهب إلى عمله كل صباح حاملاً ملفه وأحلامه بينما تذهب بعض الترقيات إلى حيث لا يذهب احد إلا في كشوفات رسمية مختومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى