مقالات الرأي
أخر الأخبار

غياب الإنصاف من بورتسودان حتى الخرطوم … الي متى؟ بقلم / عبد الكريم ابراهيم

غياب الإنصاف من بورتسودان حتى الخرطوم … الي متى؟
بقلم / عبد الكريم ابراهيم
في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد خلال فترة الحرب، انتقلت الحكومة إلى بورتسودان كخيار اضطراري لكن هذا الانتقال لم يكن مجرد خطوة إدارية، بل فتح الباب واسعًا أمام ممارسات غير عادلة، حيث تحولت الامتيازات المؤقتة إلى نهج دائم، وأصبحت المحسوبية في بعض المؤسسات معيارًا بديلاً عن الكفاءة والعدالة. ومع عودة الحكومة إلى الخرطوم، تتجدد الأسئلة حول غياب الشفافية، وتفشي الخلل الإداري والمالي وشؤون العاملين ، وتجاهل حقوق فئات أساسية في المجتمع مثل الباحثين ، المعلمين ، المعاشيين واسر الموتى .
لقد كان انتقال الحكومة إلى بورتسودان ظرفًا استثنائيًا، لكن ما ترتب عليه من امتيازات غير عادلة لبعض الموظفين تحول لاحقًا إلى ممارسة دائمة، رغم زوال السبب. اختيار من يعمل هناك ومن ينتظر لم يكن مبنيًا على أسس مهنية أو إدارية، بل على علاقات شخصية وقرابات وصداقات ، مما رسخ ثقافة المحسوبية وأضعف الثقة في مؤسسات الدولة. الموظفون الذين عملوا في بورتسودان حصلوا على نثريات مليارية ضخمة ، امتيازات ومخصصات عديدة منها التمثيل الخارجي و السيارات ، بينما حُرم بعض زملائهم من أبسط الحقوق ، حتى الترقيات و حق العودة للعمل بعد انتقال الحكومة إلى الخرطوم. هذا التمييز خلق فجوة داخلية بين العاملين وأدى إلى الإحباط وفقدان الدافعية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استمر النهج ذاته في الخرطوم عبر قرار دعم السكن والاعاشة بمبالغ مليونية شهرية لجميع العاملين (بورتسودان – الخرطوم) ، من أعلى الهرم حتى العمال. الأموال التي كان يجب أن تُوجَّه لتسيير العمل وصيانة المؤسسات ذهبت إلى فئة محددة، مما يعكس استمرار ذات العقلية التي تُرهق ميزانية الدولة وتضعف مؤسساتها. وقد يقولون انهم ينفذون قرارت بعينها ، لكن المسؤولية الحقيقية تقع على الوزراء والوكلاء و مديري الهيئات الذين سمحوا بهذا التوزيع غير العادل للدرجة يمكن ان تسند فيها ادارة عامة لموظف في الدرجة الرابعة ليديرها ويرأس من هم اعلى منه درجة وهم في الدرجة الثالثة بحجة الكفاءة !؟ .. وعلى أجهزة الرقابة والمراجع العام ضبط الإيقاع بعد ان تعدت تلك الأمتيازات والنثريات عشرات المرات لمرتباتهم .
وفي ظل هذه الممارسات، يظل المعلمون والمعاشيون في الصفوف الخلفية ، رغم أنهم الأحق بالدعم والوفاء. المعلمون الذين لم يتسلموا مرتباتهم في فترة سابقة مضت لمدة أربعة عشر شهرًا وواصلوا أداء رسالتهم في أصعب الظروف، هم عماد المجتمع، وأي تأخير في حقوقهم ينعكس على التعليم ومستقبل الأجيال. أما المعاشيون الذين أفنوا شبابهم في خدمة الدولة، فقد حُرموا من بعض المتأخرات والمنح ، ولم تُطبق عليهم زيادة الـ15% المستحقة. هؤلاء يستحقون أن يُعاملوا بكرامة تليق بما قدموه من تضحيات جسام خلف قواتنا المسلحة الباسلة والقوات المساندة لها والأجهزة المختصة دفاعا عن الأرض والعرض ، فهم الذين بنوا مؤسسات الدولة في شبابهم، ومن الطبيعي أن يُكرموا في شيخوختهم.
إن الحل يبدأ بوضع معايير شفافة وواضحة للتوظيف والحوافز، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية والمراجع العام، وإعادة النظر في القرارات التي تُحمّل ميزانية الدولة أعباء غير مبررة، وإشراك الرأي العام في كشف هذه الممارسات، لأن الضغط هو أداة فعالة لمكافحة الفساد . كما أن إعطاء الأولوية القصوى لسداد متأخرات المعلمين والمعاشيين ليس مجرد واجب مالي، بل رسالة تقدير معنوي وواجب وطني.
ختامًا، القضية ليست مجرد “حوافز بورتسودان” أو “دعم سكن الخرطوم” او ترقيات منفصلة قيادية عن بقية الدرجات العليا من الدرجة الرابعة للثالثة ترفع لمجلس الوزراء و الجهات المختصة لإجازتها بل هي انعكاس لغياب العدالة الإدارية وتفشي المحسوبية . إن استمرار هذه السياسات يهدد ثقة المواطن ويكرس الفساد كمنهج إداري. المطلوب اليوم قبل الغد إصلاح شامل يعيد الاعتبار للمعلمين والمعاشيين وينصف بقية العاملين العائدين ويضع حدًا للممارسات التي تُرهق ميزانية الدولة وتُضعف مؤسساتها. فالوطن لا يُبنى بالمحاباة، بل بالعدل والشفافية والوفاء بحقوق من ضحوا في سبيله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى