
عودة السودانيين من مصر… بين أشواق الوطن وفوضى الرسوم
بقلم:إدريس هشابه
في مشهد إنساني مفعم بالمشاعر، تتزايد وتيرة العودة الطوعية لآلاف السودانيين من مصر، محمّلين بحنين جارف إلى الوطن، وشوق لا يُقاس لاستعادة تفاصيل الحياة التي اقتلعتها الحرب من جذورها. لم تكن هجرتهم خيارًا، بل ضرورة قاسية فرضتها ظروف أمنية ومعيشية معقدة، دفعتهم لمغادرة بيوتهم وترك كل ما يملكون خلفهم.
لكن، ويا للأسف، تصطدم هذه العودة—التي يفترض أن تكون بداية جديدة—بعقبات إدارية ومالية تضعف من وهج الفرح، وتثقل كاهل العائدين بأعباء إضافية. فقد برزت في الآونة الأخيرة شكاوى متزايدة من فرض رسوم وُصفت بـ”الخيالية”، إلى جانب ارتفاع غير مبرر في أسعار تذاكر السفر، دون مراعاة لظروف هؤلاء الذين أنهكتهم تكاليف اللجوء والإقامة والعلاج خارج البلاد.
الأكثر إرباكًا، أن هذه الرسوم تأتي في ظل تضارب واضح بين قرارات الحكومة المركزية وممارسات بعض الحكومات الولائية (معبر ارقين) حكومة الولاية الشمالية. ففي وقتٍ أعلنت فيه الجهات الاتحادية إعفاء الأمتعة الشخصية للعائدين من الرسوم الجمركية، تفاجأ المواطنون بفرض جبايات مختلفة عند نقاط الوصول، في مشهد يعكس خللًا عميقًا في التنسيق بين مستويات الحكم.
هذه الإشكالية ليست وليدة اللحظة، بل هي من القضايا القديمة المتجددة التي ظلت تتكرر رغم الوعود الرسمية بمعالجتها، خاصة عقب قرارات سابقة صادرة عن اللجنة الاقتصادية لحكومة الامل. غير أن غياب آليات التنفيذ الصارمة، واستمرار النزعة الجبائية لدى بعض الجهات المحلية، جعلا تلك القرارات حبرًا على ورق.
إن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدولة تسعى لإعادة إعمار ذاتها أن تثقل كاهل مواطنيها العائدين بدلًا من دعمهم؟ فالعائدون ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات، بل هم رأس المال الحقيقي لأي مشروع وطني قادم. تسهيل عودتهم، وتهيئة البيئة المناسبة لاستقرارهم، يجب أن يكون أولوية قصوى، لا عبئًا إضافيًا.
كما أن التجارب الدولية في مرحلة ما بعد الحروب تؤكد أن نجاح العودة الطوعية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود سياسات واضحة وموحدة، تشمل إعفاءات حقيقية، ودعمًا لوجستيًا، وبرامج لإعادة الدمج الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يتطلب إرادة سياسية جادة، وتنسيقًا محكمًا بين المركز والولايات، بعيدًا عن التضارب والازدواجية.
نحن، كسودانيين، لا نريد أن نكون كـ”البوربون” الذين لا يتعلمون من أخطائهم ولا ينسونها. فالحرب، رغم قسوتها، يجب أن تكون محطة للمراجعة والتصحيح، لا مجرد فصل آخر في سلسلة الإخفاقات. وإذا لم تُستثمر هذه اللحظة لإصلاح الخلل المؤسسي، فإننا سنظل ندور في ذات الحلقة المفرغة من العجز وتكرار الأخطاء.
إن عودة السودانيين إلى وطنهم يجب أن تُستقبل بسياسات رحيمة، وإجراءات مرنة، تعكس تقدير الدولة لمعاناة مواطنيها. فالوطن لا يُبنى بالقرارات وحدها، بل بالثقة، والعدالة، والشعور الحقيقي بأن الدولة تقف إلى جانب شعبها، لا في مواجهته.