مقالات الرأي
أخر الأخبار

رحيلُ حكيمٍ في زمن العواصف بقلم :إدريس هشابه

رحيلُ حكيمٍ في زمن العواصف

بقلم :إدريس هشابه

في لحظةٍ مثقلةٍ بالأنين، يترجل عن صهوة العطاء واحدٌ من أولئك الذين لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بما يتركونه من أثرٍ في العقول والقلوب. يمضي البروفيسور محمد عثمان صالح، في زمنٍ تتنازع فيه البلاد أوجاعها، وكأن الفقد أراد أن يُضاعف امتحان الصبر على وطنٍ أنهكته الحرب وأثقلته التحولات.
كان الراحل صاحب سيرةً ممتدةً من البذل، تبدأ من قاعات العلم ولا تنتهي عند حدود الجغرافيا. رجلٌ تشكل وعيه في فضاءات الدعوة، فحملها فكرًا مستنيرًا، وسعى بها إلى ترسيخ خطابٍ يتكئ على الاعتدال، ويقاوم الغلو، ويبحث عن المشترك الإنساني في زمن الاستقطاب.
من المدينة المنورة، حيث أسهم في بناء جسور المعرفة في المعهد العالي للدعوة، إلى رحاب الجامعات السودانية التي شهدت حضوره الإداري والعلمي، ظل الفقيد وفيًا لفكرة أن العلم رسالة، وأن التربية فعلٌ يوميٌّ يتجاوز المناهج إلى صناعة الإنسان. لم تكن المناصب التي تقلدها – من قيادة أكاديمية إلى مسؤوليات تنفيذية – سوى امتدادٍ طبيعي لرسالته، إذ ظل في كل موقعٍ يزرع أثرًا ويترك بصمة.
وفي خضم تعاقب الأزمات التي مرت بها البلاد، ظل صوته هادئًا لكنه عميق، يذكّر بأن الأوطان لا تُبنى بالصخب، بل بالحكمة، وأن الإصلاح يبدأ من الكلمة الصادقة والفكرة النزيهة. كان حاضرًا في مفاصل الدعوة والإصلاح، لا يبحث عن الضوء، لكنه كان ضوءًا يهتدي به كثيرون.
اليوم، وبينما تنشغل الأنظار بأخبار الحرب وتداعياتها الثقيلة، يتسلل هذا الرحيل كوجعٍ صامت، يوقظ في النفوس معنى الفقد الحقيقي. فالأحداث مهما تعاظمت، لا تستطيع أن تحجب أثر الرجال الذين صنعوا الفرق، ولا أن تُنسي تلاميذهم وأهلهم ومحبيهم ذلك الحضور الدافئ الذي كان يملأ الأمكنة معنى.
سيبكيه طلابه الذين نهلوا من علمه، وستفتقده المنابر التي اعتادت منطقه المتزن، وستحزن عليه قلوبٌ في الداخل والخارج، عرفت فيه المعلم والأب والناصح الأمين. غير أن العزاء يبقى في أن أمثال هؤلاء لا يغيبون تمامًا، إذ تظل أفكارهم حيّة، وسيرتهم زادًا للأجيال القادمة.
هكذا يرحل الكبار… بصمتٍ يشبه هيبتهم، ويتركون خلفهم ضجيج الفراغ.
رحم الله البروفيسور محمد عثمان صالح، وجعل ما قدمه نورًا يمتد في دروب العابرين، وألهم وطنه وأهله ومحبيه صبرًا يليق بحجم الفقد.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى