
الانسحاب الأمريكي المهين.. والعرب بين التبعية والكرامة
سمير باكير يكتب –
في مشهدٍ يعكس حالةً غير مسبوقة من التناقض والعجز، تواصلت خلال الأيام الماضية سلسلة التصريحات الأمريكية المشينة والمهينة تجاه الأنظمة العربية، وهي تصريحات لا تمتّ إلى منطق السياسة أو الدبلوماسية بصلة. فما بالُنا نسأل: أي دفاعٍ دافعت به أمريكا عن دول الخليج؟!
فهي لم تستطع اعتراض صاروخ إيراني واحد، ولم تتمكن من تمكينهم من تصدير برميل بترول واحد بعد إغلاق المضيق. والرد المنطقي الوحيد على هذه الصفاقة الأمريكية والوقاحة المنقطعة النظير، هو أن تعلن الدول العربية رفضها القاطع لبقاء أي قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها بعد اليوم. فالتريليونات التي تُنفق على تلك القواعد، هي أولى بأن تمول بها الجيوش الوطنية، وتُنفق على التطوير والتسليح.
كل المبادئ السياسية التي كنا نعرفها في عالمنا، ها نحن اليوم نشهد تغييرها، ونرى بأعيننا القوى العالمية يُعاد تشكيلها من جديد. وكما أفرزت الحرب العالمية الثانية القوى التي حكمت العالم على مدار عقود، لن تنطفئ نيران هذه الحرب الإقليمية حتى يتشكل نظام عالمي جديد.
ها هي بريطانيا وفرنسا تعلنان رفضهما التام للاستجابة للمطالب الأمريكية بالمشاركة في هذه الحرب، أو حتى المساعدة في تأمين السفن المارة عبر المضيق. كما أغلقت إسبانيا أجواءها أمام الطائرات الأمريكية، في صفعة مدويةٍ تردد صداها في كل فجٍ عميق.
وتمكن النظام الإيراني بصموده الأسطوري وصواريخه الفرط صوتية من الوصول إلى المكتب البيضاوي داخل البيت الأبيض، ومرّغ أنف السطوة الأمريكية في الطين، محدثًا شرخًا لن يلتئم في تمثال الحرية ورمز الثقافة الأمريكية الذي سادت به العالم لعشرات السنين. بل وأشعلت صواريخهم حرائق وخرابًا ودمارًا هائلًا في المستوطنات الإسرائيلية، لأول مرة منذ إنشائها عام 1947.
وفي الداخل الأمريكي نفسه، خرج الشعب الأمريكي بالملايين في تظاهرات ومسيرات، معلنًا رفضه للسياسات التي تتخذها إدارة حكمه الحالية. وكل مراقبٍ للأحداث يرى بوضوح انسحاب البساط تدريجيًا من تحت أقدام البلطجي الأمريكي، الذي فقد هيبته واحترامه على يد إدارة متهورة متغطرسة حمقاء.
فلماذا -حتى الآن- نرى منطقتنا العربية البائسة وحدها تستمر في الخضوع لهذا المسلسل من الإهانات، وترضى بالابتزاز، وكأنها خارج سياق هذا التحول العالمي الكبير؟!