مقالات الرأي
أخر الأخبار

سودانير… حين استعادت السماءُ ذاكرة الوطن بقلم: إدريس هشابة محمد

سودانير… حين استعادت السماءُ ذاكرة الوطن

بقلم: إدريس هشابة محمد

في مشهدٍ امتزجت فيه دموعُ الوداع ببشائرِ الطمأنينة، غادرتْ البلادُ أولى رحلاتِ حجاجِ بيتِ الله الحرام لموسم حجِّ العام ألفٍ وأربعمائةٍ وسبعةٍ وأربعين للهجرة، عبر مطار بورتسودان الدولي، متجهةً إلى المدينة المنورة على متن طائرة الناقل الوطني، الخطوط الجوية السودانية «سودانير»، بعد توقفٍ دام لأكثر من ثمانية أعوام عن نقل حجاج بيت الله الحرام.
لم تكن الرحلةُ مجردَ إقلاعِ طائرةٍ من مدرجٍ إلى آخر، بل كانت إقلاعًا لروح وطنٍ أنهكته الحرب، وحاول طويلًا أن يستعيد توازنه وصورته أمام نفسه والعالم. ففي تلك اللحظات التي تعالت فيها تكبيرات الحجاج، واختلطت فيها دعوات الأمهات بدموع الفرح، بدا السودان وكأنه يكتب صفحةً جديدةً من التعافي والأمل، ويعلن أن الحياة ما تزال قادرةً على النهوض رغم كل الجراح.
الفرحة هذه المرة كانت مضاعفة؛ فرحةٌ بأداء الركن الأعظم من أركان الإسلام، وفرحةٌ أخرى بأن يكون السفر إلى الديار المقدسة عبر الناقل الوطني، ذلك الاسم الذي ظل حاضرًا في ذاكرة السودانيين بوصفه أحد رموز السيادة الوطنية والوجدان الجمعي. ولذلك لم يكن غريبًا أن يعبّر الحجاج عن سعادتهم الكبيرة وهم يشاهدون شعار «سودانير» يعود مجددًا إلى سماء الرحلات الخارجية، حاملًا السودانيين إلى مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت عودة «سودانير» إلى نقل الحجاج تحمل بُعدًا دينيًا وإنسانيًا، فإنها في الوقت ذاته تحمل دلالاتٍ سياسيةً واقتصاديةً ووطنيةً عميقة. فالطيران المدني ليس نشاطًا عابرًا، بل قطاعٌ تحكمه اشتراطات عالمية دقيقة ومعايير صارمة تتعلق بالأمن والسلامة والتشغيل والكفاءة. ونجاح مؤسسةٍ مدنيةٍ وطنية في العودة إلى أداء هذا الدور بعد سنوات التوقف، وفي ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد، يمثل رسالةً واضحةً بأن مؤسسات الدولة السودانية ما تزال قادرةً على العمل والتعافي واستعادة دورها الطبيعي.
كما أن هذه العودة تُعد تفنيدًا عمليًا للسرديات التي ظل الإعلام المعادي يروّج لها، والتي سعت إلى تصوير السودان بوصفه دولةً بلا مؤسسات أو قدرة على الاستمرار. فهذه المرة لم يكن المشهد متعلقًا بانتصارات عسكرية أو عمليات ميدانية، بل بمؤسسةٍ مدنيةٍ تعمل وفق منظومة دولية دقيقة، وتنجح في إعادة تقديم نفسها بكفاءة واقتدار أمام المواطنين والعالم.
وما لفت الانتباه خلال الرحلة الأولى لم يكن فرحة الحجاج وحدهم، بل ذلك الشعور الصادق بالفخر الذي بدا واضحًا على وجوه طواقم «سودانير» كافة؛ من المدير العام الكابتن ماذن ـ أو مَن يقود هذه المرحلة ـ وحتى آخر موظفٍ داخل المنظومة. كان الجميع يتعامل مع الحدث وكأنه استعادةٌ لجزءٍ من الروح الوطنية التي غابت طويلًا، وكأن الطائرة لم تكن تحمل الحجاج وحدهم، بل تحمل معها أحلام السودانيين بعودة مؤسساتهم الوطنية إلى سابق عهدها.
لقد ظلت «سودانير» عبر تاريخها أكثر من مجرد شركة طيران؛ كانت رمزًا لهيبة الدولة السودانية، وعنوانًا لحضورها في المطارات الإقليمية والدولية. ولذلك فإن عودتها للتحليق، ولو تدريجيًا، تمنح الناس شعورًا بأن الوطن ما يزال قادرًا على استعادة أشيائه الجميلة، وأن سنوات الحرب والتراجع ليست قدرًا أبديًا.
ومن مطار بورتسودان الدولي أقلعت الطائرة نحو المدينة المنورة، لكن الذي حلق معها في الحقيقة لم يكن الحجاج فقط، بل آمالُ شعبٍ كاملٍ يتطلع إلى غدٍ أكثر أمنًا واستقرارًا وتعافيًا. هكذا عادت «سودانير» إلى السماء… لا كناقلٍ جوي فحسب، بل كرسالة وطنٍ يحاول أن ينهض من جديد، وأن يستعيد ذاكرته وثقته وأجنحته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى