المازق الأيديولوجي، من وسام الخلاص الي بلاء وإنجلاء: قراءة في مسار نظام 25 مايو وإرتدادته علي واقعنا اليوم د. الهيثم الكندي يوسف

المازق الأيديولوجي، من وسام الخلاص الي بلاء وإنجلاء: قراءة في مسار نظام 25 مايو وإرتدادته علي واقعنا اليوم
د. الهيثم الكندي يوسف
لا يمكن قراءة تجربة نظام 25 مايو (1969 – 1985) بقيادة جعفر محمد نميري بوصفها مجرد انقلاب عسكري. اذ كانت تمثل نموذجاً للتأرجح الأيديولوجي أو التذبذب بين أقصى اليسار الثوري وأقصى اليمين المحافظ، وهي تجربة تختزل مآزق الدولة الوطنية في السودان وصراع النخب.
أولاً: التذبذب الأيديولوجي.. من الاشتراكية إلى التشريع الاسلامي:
تعد السمة الأبرز لنظام مايو قدرته العالية في تبني الأطروحات الفكرية المتناقضة فقد تحول بين الكثير من الاتجاهات الفكرية كما موضح أدناه.
1.المرحلة اليسارية (1969 – 1971): صعد النظام مستنداً إلى التحالف بين الحزب الشيوعي السوداني والقوميين العرب. انعكس هذا التوجه في تبني خطاب اشتراكي، تجسد في سياسات التأميم للمصارف والشركات الأجنبية، ومصادرة أملاك الرموز الرأسمالية والتقليدية، وإعادة صياغة المناهج التعليمية لتتوافق مع أدبيات الثورة.
2.الانعطاف نحو الوسط والبراغماتية (1971 – 1977): شكلت المحاولة الانقلابية الفاشلة بقيادة هاشم العطا في يوليو 1971 نقطة ارتداد عنيفة. حيث أدي إعدام القيادات الشيوعية إلى فراغ فكري ملأه النميري بتأسيس (الاتحاد الاشتراكي السوداني) كتنظيم سياسي وحيد. والتحرك نحو الغرب والعمق العربي، والتركيز على التنمية والاستقرار.
3.المرحلة اليمينية (1977 – 1985): قادت المصالحة الوطنية عام 1977 مع الجبهة الوطنية المعارضة إلى دخول الإسلاميين (الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي) في بنية النظام. توج هذا التحالف بإعلان قوانين سبتمبر 1983 (الشريعة الإسلامية)، حيث تحول النظام بالكامل نحو أقصى اليمين، وهو ما منح النميري شرعية دينية وصوفية كبيرة.
ثانياً: التحديات الأمنية والعسكرية:
عاش نظام مايو في حالة ضغط أمني طوال اغلب فترات حكمه، نتيجة الصراعات المسلحة والمهددات العسكرية الداخلية والتي كانت اهمها:
1.حرب الجنوب ومعضلة الاستقرار:
يسجل للنظام إنجازه التاريخي المتمثل في اتفاقية أديس أبابا (1972)، والتي منحت جنوب السودان حكماً ذاتياً وأنهت عقداً ونصف من الحرب الأهلية الأولى. تمثل هذه الاتفاقية واحدة من أنضر محاولات العقل السياسي السوداني في البحث عن صيغة لإدارة التنوع. ومع ذلك قوض النظام إنجازه بنفسه عام 1983 نتيجة التقسيم الإداري الجديد للجنوب، مما أشعل الحرب الأهلية الثانية بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وهي الحرب التي استنزفت موارد الدولة وأنهكت قوتها العسكرية.
2.متلازمة الانقلابات والغزو المسلح:
واجه النظام مهددات عسكرية عنيفة عكست عمق الشرخ السياسي, فبالإضافة إلى انقلاب اليسار عام 1971، واجه النظام (أحداث شعبان 1973)، ثم الهجوم العسكري المنظم في يوليو 1976 (أحداث المرتزقة)، وهو الغزو للمسلح الذي قادته القوى السياسية التقليدية المعارضة بدعم إقليمي (ليبي)، وتحولت فيه شوارع الخرطوم إلى ساحة حرب، مما دفع النظام لتبني مقاربة أمنية قاسية عبر جهاز أمن الدولة.
ثالثاً: المحور الإقليمي والدولي وتوازنات الحرب الباردة:
تحركت الدبلوماسية السودانية في عهد مايو وفقاً لبوصلة التحولات الداخلية والضغوط الخارجية ويمكن النظر الي ذلك كما يأتي:
1.الانتقال بين المعسكرين: بدأ النظام في الفلك السوفيتي، لكنه بعد عام 1971 تحول جذرياً ليصبح أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة والغرب في إفريقيا، مستفيداً من موقع البلاد الجيوسياسي لمواجهة التمدد السوفيتي في إثيوبيا والماركسية في اليمن الديمقراطي (الجنوبي).
2.الموقف من القضايا العربية: شارك السودان بفعالية في حرب أكتوبر 1973، لكن التوجه البراغماتي للنظام قاده إلى تأييد اتفاقية كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية عام 1978، مما عرض السودان لعزلة عربية مؤقتة، لكنه عزز التحالف العسكري والأمني مع نظام السادات.
3.التورط الاستخباري الدولي: في الحقبة الأخيرة من النظام، تداخلت الأزمات الاقتصادية مع الضغوط الدولية، مما أدى إلى تورط النظام في عملية (موسى) او ما عرفت بترحيل اليهود الفلاشا الإثيوبيين عبر الأراضي السودانية، وهي الواقعة التي خصمت كثيراً من رصيد النظام داخلياً وخارجياً.
رابعاً: البنية الاقتصادية والاجتماعية.. جدلية البناء والانهيار:
عند إخضاع التجربة الاقتصادية والاجتماعية لمايو للتحليل، تبرز مفارقة كبيرة بين الطموح التنموي التأسيسي والانهيار الهيكلي اللاحق. ففي الجانب التنموي شهدت حقبة السبعينيات محاولات جادة لبناء بنية تحتية حديثة وتدشين الطفرة الزراعية والصناعية تحت شعار السودان سلة غذاء العالم. تمثلت أهم الإنجازات في تأسيس شركة سكر كنانة كنموذج للشراكة العربية، وتشييد طريق الخرطوم – بورتسودان الاستراتيجي لتسهيل حركة التجارة الخارجية، وإنشاء مصانع النسيج والسكر الإقليمية، فضلاً عن الطفرة الثقافية والاجتماعية التي قادتها الدولة عبر رعاية الفنون، وإنشاء صروح كبرى مثل قاعة الصداقة وقصر الشباب والأطفال، مما ساهم في تشكيل طبقة وسطى حيوية في المدن.
وعلى النقيض من هذه الطموحات، حملت السياسات الاقتصادية بذور فنائها، فسياسة التأميم والمصادرة الباكرة أدت إلى تجفيف القطاع الخاص الوطني وهروب الاستثمارات الأجنبية. ولاحقاً اعتمد النظام على التوسع في الاقتراض الخارجي بدلاً من الإنتاج الفعلي، مما أغرق البلاد في أزمة ديون خانقة، وصاحب ذلك انهيار في قيمة الجنيه السوداني ومعدلات تضخم عالية. ومع حلول الثمانينيات، تحول الاقتصاد إلى حالة شلل شبه تام، تزامناً مع كارثة الجفاف والمجاعة (1984) التي ضربت أجزاء واسعة من البلاد وتسببت في موجات نزوح ضخمة نحو المدن.
خامساً: التفاعل مع القوى السياسية وتحولات المزاج الشعبي:
صاغ نظام مايو علاقة معقدة مع المجتمع والأحزاب، حيث بدأت بضرب القوى التقليدية بعنف، مثل ماحدث من ضرب معقل الأنصار في الجزيرة أبا وود نوباوي عام 1970. ورغم إقرار المصالحة السياسية لاحقاً، إلا أن النميري اعتمد استراتيجية تفتيت الجبهات المعارضة عبر ضرب بعضها ببعض، فقرب الإسلاميين لإضعاف حزبي الأمة والاتحادي، ثم عاد وانقلب على الإسلاميين واعتقل قياداتهم قبيل سقوطه بأسابيع.
شعبياً مر المزاج العام بتحولات حادة، إذ حظي النظام في النصف الأول من عمره بتأييد واسع من فئات تكنوقراطية وعمالية ونقابية رأت في النظام مخرجاً من دائرة المشاكسات الحزبية العقيمة، ورأت في النميري مخلص من كل ذلك. حيث تغني الشعراء لمايو…
أَنْتَ يَا مَايُو الخَلَاصْ .. يَا جِدَاراً مِنْ رَصَاصْ
يَا شُمُوساً فِي دُرُوبِ اللَّيْلِ أَشْعَلْتَ النَّهَارْ
نَحْنُ شِلْنَاكَ وِسَاماً .. وَكَتَبْنَاكَ شِعَارْ
وَصِرْنَا بِكَ يَا مَايُو كِبَارْ
لكن مع تدهور الوضع المعيشي، وظهور صفوف السلع الأساسية (الخبز والوقود والسكر)، وتعاظم دور القبضة الأمنية ومصادرة الحريات الأساسية، تحول التأييد الشعبي إلى سخط ورغبة في التغيير. حتي ان نفس الشعراء نادوا بسقوط مايو، وتهللوا عند السقوط وغنوا..
بلاء وإنجلاء…
سادساً: انتفاضة أبريل 1985.. آليات التعبئة والانحياز العسكري:
جاء سقوط نظام مايو كنتيجة حتمية لانسداد الأفق السياسي والاقتصادي، وتكامل الحراك المدني مع الحسابات العسكرية وفي مايلي نظرة توضح ذلك:
1.قيادة الحراك والدوافع: كانت النقابات المهنية هي المحرك الأساسي للحراك (الأطباء، المهندسون، المحامون، وأساتذة الجامعات) فهي التي شكلت (التجمع النقابي) الذي قاد الشارع. كانت الدوافع مزيجاً من المظالم الاقتصادية (سياسات الصندوق الدولي ورفع الدعم عن الخبز) والمظالم السياسية.
2.تجييش الشارع وآليات العصيان: تميزت انتفاضة أبريل بقدرة عالية على التعبئة السلمية عبر أدوات العصيان المدني والإضراب السياسي. ورغم الرقابة الأمنية اللصيقة لجهاز أمن الدولة، نجح التجمع النقابي في تنسيق الخروج الجماعي عبر المنشورات السرية، وتحويل المؤسسات والجامعات إلى نقاط احتجاجية متصلة، صاغت شعارات مطلبية ركزت على إسقاط النظام الذي وصفته بالديكتاتوري كما نادت باستعادة المسار الديمقراطي.
3.المؤسسة العسكرية وتفضيل الاستقرار: في أواخر مارس وأوائل أبريل كان النميري خارج البلاد، وتصاعدت التظاهرات إلى نقطة لا يمكن صدها إلا عبر مواجهة دموية واسعة. هنا انحازت قيادة الجيش برئاسة الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب في 6 أبريل 1985 لخيارات الشارع. كان هذا الانحياز مبنياً على تقدير يرى أن حماية النظام تعني الدخول في مواجهة مع الشعب، فاختار الجيش حقن الدماء وضمان الاستقرار عبر استلام السلطة لفترة انتقالية محددة، مما مهد الطريق لانتقال سلمي نحو الديمقراطية الثالثة.
سابعاً: إرث مايو وإرتداداته علي الصراع الراهن:
لقد كان نظام 25 مايو تجربة هامة لايمكن تجاهلها في مشوار الحكم الوطني، وقد حقق النميري بعض النجاحات والكثير من الاخفاقات بعضها متعلق ببنية النظام نفسه وتقلباته من النقيض الي النقيض، والبعض الاخر من آثار الضغوط الحزبية التي كانت تختار المصالح الشخصية بدلا عن المصلحة العامة، ولعل هذا الداء هو ما صاحب التجربة السياسية منذ الاستقلال الي يومنا هذا، ويمكن النظر الي ذلك بناء علي الآتي:
1.بدايات الجهوية المسلحة:
إن نقض اتفاقية أديس أبابا عام 1983 وإعادة تقسيم الجنوب كان بمثاية رصاصة الرحمة على أول مشروع حقيقي لاستيعاب التنوع السوداني. هذا الارتداد أعاد إنتاج الحرب الأهلية برؤية (مشروع السودان الجديد لقرنق)، وهو ما كرس لمتلازمة (السلطة في المركز، والتمرد في الهامش)، والتي تطورت لاحقاً لتشمل أقاليم أخرى وصولاً إلى انفجار المركز نفسه في الحرب الحالية.
2.تسييس المؤسسة العسكرية:
اعتمد نظام مايو في نصفه الثاني على القبضة الأمنية لحماية السلطة، وبدأ فعليا تسييس الولاء داخل القوات النظامية. مما أضعف البنية المهنية القومية وفتح الباب لظهور مراكز القوى الأمنية والعسكرية التي تصارعت على شرعية تمثيل الدولة، وهو ذات الصراع حول احتكار العنف الذي يمثل جوهر الحرب الحالية.
3.تجريف الاقتصاد الإنتاجي لصالح اقتصاد الغنيمة:
التحول المايوي من التنمية والإنتاج (شعار سلة غذاء العالم) في السبعينيات إلى الاستدانة والمجاعة في الثمانينيات، ساهم في تجريف الطبقة الوسطى وتعميق الفقر في الأرياف. هذا الانهيار الاقتصادي خلق بيئة خصبة لاقتصاد الغنيمة والطفيلية السياسية، حيث تحول السلاح إلى الطريقة الأسرع للثراء والمكانة، وهو ما نرى تجلياته اليوم في طبيعة القوى المتمردة التي تفتقر لأي مشروع تنموي أو إنتاجي.
لقد كانت تجربة 25 مايو صورة حية تجلت فيها أمراض الدولة الوطنية السودانية، حيث تداخلت فيها إنجازات التأسيس التنموي الباكر مع أخطاء التقلب الأيديولوجي الحاد. ولم يكن سقوط النميري في أبريل 1985 نهاية للمرض، إنما كان ترحيلاً للأزمة.
إن العجز التاريخي للنخب السياسية والعسكرية عن الانتقال بالبلاد من (اقتصاد الغنيمة) إلى (قتصاد الإنتاج)، هو ما انهك جسد الدولة منذ الاستقلال. وما هذه الحرب التي تصلينا بنيرانها اليوم، إلا العرض الأخير والأعنف لانفجار تلك البنى الهيكلية الهشة التي ساهم نظام مايو ـ بقصد أو بدون قصد ـ في تعميق تصدعاتها.