
كتبت سهير محمد عوض
دم الأضحية ودم الضحية
في عيد الأضحى تُراق دماء الأضاحي ابتغاءً للتقرب إلى الله، وتنتشر بين الناس مشاعر الفرح والتراحم والتبريكات. غير أن السودانيين، ومنذ عام 2019، لم يكد يمر عليهم عيد أو مناسبة إلا واختلطت فيها أفراحهم بدماء الضحايا، حتى بدا وكأن هناك من يتقرب إلى أهدافه ومصالحه بإفساد المناسبات الدينية والوطنية وإغراق البلاد في الحزن والدمار.
لقد جاءت أحداث بارا وما حولها لتدمي قلوب المواطنين في أيام عيد الأضحى المبارك، ولتضيف جرحاً جديداً إلى سجل طويل من المآسي التي أنهكت الشعب السوداني. وإن الجرائم التي تُرتكب بحق الأبرياء تجعل كثيرين يرفضون أي حديث عن سلام أو تفاوض مع من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين وأفسدوا حياتهم وشردوا أهلهم ودمروا مدنهم، فلا مكان بين أبناء الوطن لمن جعل القتل والتخريب منهجاً وسبيلاً.
ولم تقتصر المعاناة على ويلات الحرب المباشرة، بل سبقتها ورافقتها أشكال متعددة من التضييق على المواطنين، ومنها القيود التي طالت المعاملات المصرفية وأثرت في حياة الناس ومعاشهم. وفي الوقت الذي كانت تُقام فيه المهرجانات والشعارات البراقة، كانت المليشيات تواصل قتل الأبرياء وترويع الآمنين.
وقد رُفع شعار “الإمارات تحب السودان”، وقد يتساءل المرء بعد كل ما جرى: أي حب هذا الذي يُقاس بحجم الدمار والمعاناة؟ فلو كان الحب صادقاً لكان الورد أهون كلفة من الرصاص، وكانت يد البناء أولى من أدوات الهدم، وكانت جهود التنمية أجدر بالإنفاق من دعم الحروب والصراعات.
لقد دفعت هذه الحرب السودان إلى خسائر هائلة؛ فدُمرت البنية التحتية، وخُربت المدن، ونُهبت المتاحف والمقتنيات التاريخية التي تمثل ذاكرة الأمة وتراثها، وتحولت أحياء كاملة إلى مناطق موحشة كأنها مدن أشباح. ولم يكن الاستهداف موجهاً إلى الحاضر فحسب، بل طال الماضي والتاريخ، وألقى بظلاله الثقيلة على مستقبل الأجيال القادمة.
وبعد كل هذا الخراب، يظل السؤال مطروحاً: هل حقاً من يحب السودان يسهم في كل ما أوصله إلى هذا الحال؟ أم أن السودان يُراد له أن يكون أرضاً بلا شعب، ليستفرد الآخرون بخيراته وثرواته؟
فالسودان بلد حباه الله بثروات معدنية هائلة، وأراضٍ زراعية خصبة، ومياهاً وفيرة، وموقعاً استراتيجياً مميزاً، وإمكانات قادرة على أن تجعله من أغنى دول المنطقة، بل من الدول المؤثرة اقتصادياً وغذائياً على نطاق واسع. وهذه المقومات العظيمة كان ينبغي أن تكون سبباً لازدهاره، لا سبباً في استهدافه وإضعافه.
وما دامت المجازر مستمرة، والدماء لا تزال تسيل، فإن التساؤل يبقى مشروعاً: لو كان هناك بغض للسودان، فماذا كان يمكن أن يكون أكثر من هذا؟
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يقتص من الظالمين في الدنيا قبل الآخرة، وأن ينصر المستضعفين، ويرحم الشهداء، ويشفي الجرحى، ويفك كرب النازحين والمشردين، وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء، وأن يعيد إليه الأمن والاستقرار والطمأنينة.