مقالات الرأي
أخر الأخبار

بين الدعوة إلى التظاهر وتجاهل المأساة.. أي واقع يراه البروفيسور قاسم بدري؟ بقلم :إدريس هشابه

بين الدعوة إلى التظاهر وتجاهل المأساة.. أي واقع يراه البروفيسور قاسم بدري؟

بقلم :إدريس هشابه

لا أحد ينكر الدور التاريخي الذي لعبته جامعة الأحفاد في تعليم المرأة السودانية وتمكينها، فهذا إرث وطني محل تقدير واحترام. لكن المؤسسات والأشخاص، مهما بلغت مكانتهم، ليسوا فوق النقد، ولا ينبغي أن يتحول تاريخهم إلى درع يمنع مساءلة مواقفهم أو التصدي لتصريحاتهم حين تتعارض مع الواقع أو المنطق.
ومن هذا المنطلق، جاءت التصريحات المنسوبة للبروفيسور قاسم بدري، التي دعا فيها النساء إلى الخروج للتظاهر ضد الحرب، مثيرة للدهشة والاستغراب في توقيتها ومضمونها. فبينما لا يزال السودان يعيش واحدة من أعقد أزماته الإنسانية والأمنية، وبينما تتواصل الانتهاكات بحق المدنيين من قبل مليشيا الدعم السريع المجرمه، وعلى رأسهم النساء، تبدو مثل هذه الدعوات وكأنها قراءة معزولة عن الواقع أو تجاهل متعمد لطبيعة الصراع القائم.
فالمرأة السودانية التي يُطلب منها اليوم الخروج إلى الشوارع ليست المرأة التي تعيش ظروفاً طبيعية تسمح بممارسة العمل السياسي والاحتجاج السلمي كما في الدول المستقرة. إنها المرأة التي فقدت منزلها أو نزحت من مدينتها أو شاهدت أفراد أسرتها يسقطون ضحايا للعنف، وهي ذات المرأة التي وثقت تقارير محلية ودولية تعرض آلاف من بناتها لانتهاكات مروعة شملت القتل والاغتصاب والاختطاف والتهجير القسري.
لقد تناولت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل إعلام عالمية مرموقة حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب، كما انتشرت على نطاق واسع مقاطع وصور ومحتويات تم تداولها من هواتف عناصر مليشيا الدعم السريع أظهرت جانباً من تلك الانتهاكات. وفي ظل هذه الحقائق المؤلمة، يصبح السؤال مشروعاً: هل الأولوية اليوم لدعوة النساء إلى التظاهر، أم للوقوف مع ضحايا الحرب ومناصرة حقوقهن والدفاع عن أمنهن وكرامتهن؟
المؤسف أن بعض النخب الأكاديمية والسياسية تتحدث أحياناً وكأن الحرب محض خلاف سياسي ، بينما تشير الوقائع إلى صراع معقد تتداخل فيه أطراف داخلية وخارجية، وهو ما تحدثت عنه تقارير دولية عديدة تناولت تدفقات السلاح والدعم الإقليمي والدولي وتأثيراته على مسار الحرب.
وفي تجارب دول أخرى عاشت ظروفاً مشابهة، اختار كثير من الأكاديميين والمفكرين الاصطفاف إلى جانب شعوبهم والدفاع عن حق المدنيين في الحماية والأمن قبل الانشغال بالشعارات السياسية. خلال الحرب العالمية الثانية، سخّر عدد من كبار العلماء والمفكرين جهودهم لدعم مجتمعاتهم في مواجهة الخطر الوجودي. وخلال الغزو الروسي لأوكرانيا، صدرت مواقف واضحة من أكاديميين ومثقفين أوكرانيين ركزت على حماية المدنيين والدفاع عن سيادة الدولة وتوثيق الانتهاكات، لا على تحميل الضحايا مسؤولية ما يجري أو مطالبتهم بخوض معارك سياسية في قلب المأساة.
إن من حق أي شخص أن يعارض الحرب وأن يدعو إلى السلام، بل إن ذلك واجب أخلاقي. لكن السلام الحقيقي لا يبدأ بتجاهل أسباب الحرب ولا بتجاوز معاناة الضحايا، وإنما بالاعتراف بالانتهاكات وإدانتها بوضوح، والوقوف إلى جانب المدنيين الذين دفعوا الثمن الأكبر.
أما تحويل النساء، وهن أكثر الفئات تضرراً، إلى وقود لمعركة سياسية أو إعلامية جديدة، فهو طرح يفتقر إلى الحساسية تجاه حجم الكارثة التي يعيشها السودان اليوم.
إن احترام التاريخ لا يعني تقديس الأشخاص، وتقدير المؤسسات لا يعني إعفاء رموزها من النقد. ومن حق السودانيين أن يناقشوا أي موقف عام وأن يختلفوا معه، خصوصاً عندما يصدر عن شخصية أكاديمية يفترض أن تدرك تعقيدات المشهد السوداني وآلام ضحاياه.
فإذا كان قول الحق متعذراً لدى البعض، فإن الصمت أحياناً يكون أكثر حكمة من إطلاق مواقف تمنح انطباعاً خاطئاً أو تبدو منسجمة، بقصد أو بغير قصد، مع السرديات التي يتبناها أطراف ساهموا في تعميق جراح الوطن وإطالة أمد معاناته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى