مقالات الرأي
أخر الأخبار

جلال الجاك أدول منبر الكلمة من امتحانات الشهادة إلى طباعة العملة هل يكتمل مشروع الدولة الموازية

جلال الجاك أدول
منبر الكلمة

من امتحانات الشهادة إلى طباعة العملة هل يكتمل مشروع الدولة الموازية

لست خبيرا في الاقتصاد ولا أفهم كثيرا في علوم المال والسياسة النقدية لكنني أفهم أن هناك أمورا لا تحتاج إلى شهادة جامعية حتى يدركها أي مواطن حريص على بقاء دولته وربما لهذا السبب أجد نفسي أربط بين أحداث تبدو متفرقة في ظاهرها لكنها قد تكون في حقيقتها أجزاء من مشروع واحد
اليوم تداولت قنوات إعلامية ومواقع التواصل معلومات عن ظهور أوراق نقدية جديدة في مناطق تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع وإذا صحت هذه المعلومات فإن القضية لا تتعلق بمعالجة أزمة السيولة كما قد يظن البعض وإنما تتعلق بأمر أكثر خطورة وهو مستقبل الدولة السودانية نفسها
قد يختلف الخبراء في تفسير الأبعاد الاقتصادية لهذه الخطوة لكن من الصعب تجاهل دلالتها السياسية لأن إصدار العملة ليس نشاطا تجاريا ولا قرارا إداريا عاديا وإنما هو أحد أبرز مظاهر السيادة التي تحتكرها الدولة عبر مؤسساتها الشرعية ممثلة في البنك المركزي
وليس هذا هو المؤشر الأول على هذا المسار فقد أشرت في مقال سابق إلى أن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في المناطق التي تسيطر عليها المليشيا لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خطوة تعليمية أو مبادرة إنسانية خالصة لصالح الطلاب بل بدا في تقديري جزءا من مشروع سياسي أوسع يسعى إلى إنشاء سلطة موازية للدولة السودانية وبناء مؤسسات بديلة تفرض نفسها كأمر واقع تمهيدا للبحث عن الشرعية أو انتزاع الاعتراف السياسي في المستقبل
واليوم يبدو أن الحديث عن إصدار عملة خاصة في تلك المناطق إذا ثبتت صحته يأتي في السياق نفسه لأن المشروع لا يقتصر على إدارة مناطق النفوذ عسكريا وإنما يمتد إلى إنشاء مؤسسات سيادية بديلة تشمل التعليم والاقتصاد والإدارة بما يعزز فكرة وجود كيان مواز ينازع الدولة سلطاتها الأساسية
قد تسقط مدينة في الحرب ثم تعود وقد تتغير موازين القوى في الميدان خلال أيام لكن عندما ينقسم الاقتصاد وتصبح لكل منطقة عملتها ونظامها المالي وسلطتها النقدية فإن إعادة توحيد الدولة تصبح أكثر تعقيدا وأكثر كلفة من استعادة أي موقع عسكري
ولعل أخطر ما في الأمر أن المواطن قد يعتاد هذا الواقع تدريجيا حتى يصبح الانقسام الاقتصادي أمرا طبيعيا وبعدها تتحول الحدود العسكرية المؤقتة إلى حدود اقتصادية وإدارية دائمة وهو السيناريو الذي شهدته دول عديدة عندما ضعفت مؤسساتها المركزية
لهذا فإن القضية ليست قضية أوراق نقدية في حد ذاتها وإنما قضية سيادة دولة وهيبة مؤسسات وحماية وحدة السودان لأن العملة ليست مجرد وسيلة للبيع والشراء وإنما رمز لسلطة الدولة ووحدة قرارها الاقتصادي
قد لا أفهم في الاقتصاد كما يفهم المختصون لكنني أفهم أن الدولة الواحدة لا يمكن أن يكون لها أكثر من بنك مركزي واحد وأكثر من سياسة نقدية واحدة وأكثر من عملة واحدة وما عدا ذلك ليس مجرد اختلاف في إدارة المال وإنما بداية لتفكيك الدولة من الداخل
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة استعادة المدن وإنما أيضا معركة حماية مؤسسات الدولة ومنع قيام مؤسسات موازية تفرض أمرا واقعا بقوة السلاح لأن الدول لا تنهار فقط عندما تخسر الحروب بل تنهار أيضا عندما تفقد احتكارها لمؤسسات السيادة
وإذا كان تنظيم الامتحانات قد أثار في السابق تساؤلات حول محاولة صناعة مؤسسات بديلة فإن الحديث اليوم عن طباعة عملة جديدة يجعل تلك التساؤلات أكثر إلحاحا لأن الدولة لا تبنى بالبندقية وحدها وإنما تبنى أيضا بالمدرسة والبنك المركزي والإدارة والقضاء وكل مؤسسة تمثل ركنا من أركان السيادة
لهذا أعتقد أن محاولة مليشيا الدعم السريع إنشاء واقع اقتصادي مواز إذا ثبتت صحتها تمثل جرس إنذار يستحق أن تتعامل معه الدولة وكل القوى الوطنية بأقصى درجات الجدية لأن الحفاظ على وحدة العملة هو في نهاية المطاف حفاظ على وحدة السودان نفسه ومنع لتحول الأمر الواقع إلى مشروع دولة موازية مكتملة الأركان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى