
الجزيرة.. منبر الخبر أم منصة السرديات؟
بقلم: إدريس هشابه
في أزمنة الحروب، لا تدور المعارك دائماً في ميادين القتال وحدها، ولا تُقاس موازين القوى بما تمتلكه الجيوش من سلاح وعتاد فحسب، بل بما تملكه أيضاً من قدرة على صياغة الرواية وتوجيه الإدراك العام. ولعل من أخطر ما أفرزته الحروب الحديثة أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أصبح في كثير من الأحيان أحد ميادين الصراع ذاتها، حيث تتنافس السرديات على تشكيل الوعي قبل أن تتنافس البنادق على حسم الميدان.
ومن ثم، تتضاعف مسؤولية الصحفي في زمن الحرب. فكل معلومة غير دقيقة قد تتحول إلى أداة في معركة نفسية، وكل وصف غير متحقق منه قد يثير الذعر، أو يمنح طرفاً في الصراع مكسباً لم يحققه على الأرض.
من هذا المنطلق، استوقفتني دهشةً ومراجعةً مهنيةً لتلك المادة التي بثتها قناة الجزيرة، وقد أعدتها وقدمتها الزميلة أسماء النعيم، وهي صحفية عرفتها في بدايات تجربتها بقناة النيل الأزرق، ولا شك أن ما أحرزته من تطور مهني يستحق التقدير. غير أن التقدير للمسيرة المهنية لا يعفي من مساءلة الأداء حين يعتريه الخلل، لأن الصحافة لا تمنح أحداً حصانة، والحقيقة لا تستثني أحداً.
وما استوقفني في التقرير لم يكن أسلوب الإعداد، وإنما العبارة التي وردت فيه، والتي جاء فيها أن الأبيض تحولت “من مدينة كانت تؤوي النازحين إلى مدينة يطبق عليها الحصار.”
وهنا يبرز سؤال مشروع: من أين استُقيت هذه المعلومة؟ وعلى أي أساس بُني هذا الوصف؟ وهل خضع لما تقتضيه المهنية من تدقيق وتحقق قبل بثه إلى ملايين المشاهدين؟
ذلك أن الحصار، في المفهوم العسكري والإنساني، ليس مجرد توصيف إنشائي أو تعبير إعلامي مرسل، بل هو واقع محدد المعالم، يقوم على تطويق المدينة وعزلها، ومنع أو تقييد الدخول إليها والخروج منها، وقطع أو تعطيل طرق الإمداد من غذاء ودواء ووقود، بما يجعلها منفصلة عن محيطها. وهذا، بكل المقاييس، لا ينطبق على مدينة الأبيض، التي ظل الطريق الرابط بينها وبين بورتسودان مفتوحاً، واستمرت عبره حركة المواطنين والبضائع بصورة معلومة ومتداولة.
فإذا كانت لدى قناة الجزيرة معلومات تنقض هذا الواقع، فمن حق المشاهد السوداني، ومن مقتضيات المهنية، أن تُعرض هذه الأدلة على الرأي العام، لا أن يُكتفى بإطلاق توصيف بالغ الخطورة، يحمل أبعاداً عسكرية وإنسانية وسياسية، دون سند واضح أو وقائع قابلة للتحقق.
إن الإشكال في مثل هذه التوصيفات لا يقتصر على خطأ لغوي أو مهني عابر، بل يمتد إلى أثرها السياسي والنفسي. ففي الحروب، تتحول الكلمات إلى أدوات تأثير، وقد يؤدي توصيف غير دقيق إلى ترسيخ صورة ذهنية لا تعكس الواقع، أو إلى بث الخوف بين المدنيين، أو إلى تغذية روايات تتداولها أطراف النزاع.
وهنا تحديداً تتجلى أهمية المحرر الكبير. فالمحرر ليس مجرد موظف يعيد صياغة ما يصله من معلومات، بل هو الحارس الأخير للحقيقة قبل أن تعبر إلى الرأي العام. وإذا غاب هذا الحارس، تسللت الروايات غير المتحققة إلى وعي الناس، واختلط الخبر بالدعاية، والمعلومة بالتأثير النفسي.
لقد اكتسبت الجزيرة مكانتها لأنها قدمت نفسها بوصفها مدرسة في الصحافة العربية، ولذلك فهي مطالبة، أكثر من غيرها، بأن تظل وفية للمعايير التي صنعت بها اسمها. فالمؤسسات الكبرى لا تُقاس بالخطأ وحده، بل بقدرتها على مراجعة أخطائها، لأن الثقة تُبنى بالتراكم، لكنها قد تتآكل بفعل تكرار الانزلاقات.
ولعل أخطر ما يواجه الصحفي في زمن الحرب أن ينسى أن الانحياز الوحيد الذي لا يجوز التخلي عنه هو الانحياز للحقيقة. وليس مطلوباً منه أن يتحول إلى جزء من ماكينة الدعاية لهذا الطرف أو ذاك، كما لا يجوز أن يصبح ناقلاً لسرديات أي طرف دون تمحيص. فالصحفي ليس جندياً في معركة، لكنه أيضاً ليس معفياً من مسؤوليته المهنية والأخلاقية تجاه مجتمعه.
والوطن، في أوقات الخطر، لا يطلب من أبنائه أن يخفوا الحقيقة، وإنما يطلب منهم ألا يسمحوا للباطل أن يرتدي ثوب الحقيقة. وهذه هي الحدود الفاصلة بين المهنية والوطنية؛ فلا تعارض بينهما إلا في أذهان من يظنون أن الحياد يعني المساواة بين الحقيقة والزيف، أو أن الموضوعية تعني منح الرواية غير الموثقة شرعية الظهور.
إن الصحافة التي تنحاز إلى الوقائع لا تخسر مهنيتها، بل تؤكدها. أما الصحافة التي تتساهل في التحقق، فإنها، مهما بلغت شهرتها، تضعف رصيدها الأخلاقي، لأن المصداقية ليست شعاراً يُرفع على الشاشة، وإنما التزامٌ يتجدد مع كل خبر، وكل تقرير، وكل كلمة تُلقى على الناس.
ولذلك، فإن هذا النقد ليس موجهاً إلى أسماء النعيم كشخص، ولا إلى الجزيرة كمؤسسة، بقدر ما هو دفاع عن قيمة الصحافة نفسها؛ تلك المهنة التي تفقد معناها عندما تتقدم السردية على الحقيقة، ويتقدم الانطباع على الوقائع، وتصبح الكاميرا شاهدة على رواية لا على حدث.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة مهنية واضحة من قناة الجزيرة: إذا كانت الأبيض مدينةً “يُطبق عليها الحصار”، فأين الأدلة التي تثبت ذلك؟ أما إذا كانت الطرق مفتوحة، وحركة المدنيين والإمدادات مستمرة، فإن استخدام مصطلح “الحصار” لا يعدو أن يكون خطأً في الوصف، بل صناعةً لواقع مغاير، وهو ما لا يليق بمؤسسة إعلامية بنت مكانتها على شعار البحث عن الحقيقة قبل السبق إليها.