مقالات الرأي
أخر الأخبار

المحكمة الدستورية تعود إلى المشهد.. خطوة تعيد للعدالة هيبتها وللدولة توازنها بقلم:احمد اسماعيل حسن

المحكمة الدستورية تعود إلى المشهد.. خطوة تعيد للعدالة هيبتها وللدولة توازنها
بقلم:احمد اسماعيل حسن

يمثل القرار الذي أصدره رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والقاضي باستكمال تشكيل المحكمة الدستورية، محطة مفصلية في مسار العدالة السودانية، وخطوة ذات أبعاد دستورية وقانونية تتجاوز مجرد تعيين قضاة جدد، لتؤسس لعودة أهم مؤسسة معنية بحماية الدستور، وصون الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ سيادة حكم القانون.
فبعد سنوات من الفراغ الدستوري، وما صاحبها من غياب الجهة المختصة بالفصل في المنازعات الدستورية والرقابة على دستورية القوانين، يأتي اكتمال تشكيل المحكمة الدستورية ليعيد بناء أحد أهم أركان الدولة القانونية، ويبعث برسالة واضحة بأن العدالة تظل أساس استقرار الدولة، وأن المؤسسات القضائية هي الضامن الحقيقي لحقوق المواطنين.
لقد ظلت المحكمة الدستورية تمثل الغائب الأكبر عن منظومة العدالة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي أوجد فراغاً قانونياً انعكس على العديد من القضايا الدستورية، وأضعف منظومة الرقابة على التشريعات والقرارات، بينما يشكل استكمالها اليوم بداية جديدة لاستعادة التوازن بين السلطات، وإعادة الاعتبار للمؤسسات العدلية.
ولا تقتصر أهمية المحكمة الدستورية على الفصل في الطعون الدستورية، وإنما تمتد لتكون الحارس الأمين للدستور، والمرجع الأعلى في تفسير نصوصه، والضامن لعدم تعارض القوانين مع المبادئ الدستورية، بما يعزز حماية الحقوق الأساسية للمواطنين، ويكرس استقلال القضاء باعتباره الركيزة الأساسية للدولة الحديثة.
كما أن اكتمال تشكيل المحكمة يمثل رسالة طمأنة للمواطن السوداني بأن الدولة تمضي نحو استكمال مؤسساتها العدلية، وأن الاحتكام إلى القانون سيظل هو الفيصل في معالجة النزاعات، بعيداً عن الفوضى أو تغول أي سلطة على أخرى.
ومن الناحية السياسية، فإن وجود محكمة دستورية مكتملة التشكيل يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويبعث برسائل إيجابية إلى المجتمعين الإقليمي والدولي بشأن التزام السودان بإرساء مبادئ العدالة وسيادة القانون، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
أما على مستوى القضاء، فإن هذا القرار يمثل تكريماً للقضاء السوداني، الذي ظل عبر تاريخه الطويل مضرب المثل في النزاهة والاستقلال والكفاءة. فقد أنجبت السلطة القضائية السودانية قامات قانونية تركت بصمات واضحة في القضاء العربي والإفريقي، وظلت محل تقدير واحترام داخل السودان وخارجه.
إن قيمة القضاء لا تُقاس بعدد المحاكم أو القوانين، وإنما باستقلاله وهيبته وثقة الناس فيه، وكلما كان القضاء قوياً ومستقلاً، كانت الدولة أكثر استقراراً، وكان المواطن أكثر اطمئناناً إلى أن حقوقه مصونة بالقانون.
واليوم، ومع اكتمال تشكيل المحكمة الدستورية، تتهيأ الفرصة لفتح صفحة جديدة في تاريخ العدالة السودانية، عنوانها الاحتكام إلى الدستور، وترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز الثقة في القضاء، باعتباره الملاذ الأخير للمواطن، والحصن الذي يحمي الحقوق، ويصون الحريات، ويحفظ للدولة هيبتها وللقانون مكانته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى