الأخبار

خلوة ومسجد الفكي شمس الدين بحلفاية الملوك .. منارة العلم عبر القرون (1001-1448)ه -( 1592-2026) م

 

 

 

بقلم / عبد الكريم ابراهيم

 

 

 

 

يُعد مسجد الفكي شمس الدين بحلفاية الملوك من أقدم المساجد في السودان ، حيث يرجع تأسيسه إلى العام 1001هـ الموافق 1592م ، أي قبل أكثر من أربعة قرون ونصف ، على يد المشايخة الذين حملوا رسالة القرآن الكريم والعلوم الشرعية ، وقد ارتبط المسجد منذ نشأته بالحاج عمارة وأبنائه إمام وأخيه محمد وطه ، الذين أسهموا في ترسيخ دعائم التعليم الديني والفقهي ، كما تولى الفكي مصطفى طه الخلافة وخدمة المسجد في مرحلة مبكرة ، فكان من أبرز العلماء الذين نشروا العلم في المنطقة ، وف​ي رحاب الحلفاية العريقة ، أشرقت شمس الطريقة والقرآن ، حيث انطلقت المسيرة المباركة للخليفة شمس الدين (تغمدَهُ الله برحمته) ، ففي عام 1885م ، وإبان هجرة أهالي الحلفاية ، خاض رضي الله عنه تجربة الخلوة لحفظ القران في ربوع (خور شمبات ) ليكون ذلك المبتدأ لنورٍ أعمّ وأشمل ، ثم انتقل إلى مسجده المبارك القائم الآن بالحلفاية ليوقد جذوة (نار القرآن) الخالدة ، مستفتحاً عهده بأربعة من صفوة تلاميذه الأوفياء كلهم حفظوا القران عليه ، كان في طليعتهم الشيخ محمد عبد الرحمن الهروال ، الذي فتح الله عليه بفتح العارفين ، فأجاد وحفظ وأتقن كتاب الله إتقاناً أثلج صدر شيخه واستدعى إشادتَه وفرحته ، وتتويجاً لهذا التلقي المبارك والمحبة الصادقة ، كافأه الخليفة شمس الدين بأن زوجه كريمته الصالحة (البتول) ليثمر هذا الرباط النوراني عن إنجاب العالم الفقيه عثمان محمد عبد الرحمن الهروال ، وكان يصحب الشيخ محمد عبد الرحمن في تلك الخلوة مباركة النفحات كلٌّ من أخيه عبد الله الهروال ، وابني عمومتهما عبد العال حاج أحمد ، وعبد القادر حاج أحمد (والد حسن عبد القادر) .

​ومن بين الذين ارتشفوا من المَعين العَذبِ ووَفّقَهم الله لِحِفظِ كِتابِهِ وقتها الشيخُ محمد مصطفى الشهير بـ (وَد السِّت) الذي جَمَعَ بين نُورِ القرآن وشَجَنِ الصَّوتِ وعُذُوبَتِه إذ كانت لَهُ نَفَحاتٌ شَجيّة في الإنشاد والمَدِيحِ النَّبَويّ سعدنا بسماعها قبل وفاته ، وما زالت تلكَ المَسِيرةُ العَطِرَةُ مُتَّصِلَةً حتى يومنا هذا ، حيث يَحمِلُ الرايةَ ابنُهُ الخَلِيفةُ سيفُ الدِّين محمد مصطفى حفظه الله .

​كما انتَظَمَ في عِقدِ هؤلاءِ الحَفَظَةِ الأَجِلّاءِ كلٌّ مِن الفَكِي إبراهيم فضل السيد ، وعلي النو ، وحاج عبد الملك أحمد ، وعلي السيد رَحِمَهُم الله .

وفي العام 1938 قام الفكي شمس الدين بتجديد المسجد وإعادة تشييده ، ليواكب احتياجات المصلين والطلاب ، وواصل الخلافة و خدمة المسجد حتى وفاته ، حينها انتقلت الخلافة إلى ابن أخيه الشيخ مصطفى الملثم عام 1942 ، حيث ظل إمامًا وخليفةً للمسجد لمدة ثلاثين عامًا حتى وفاته في العام 1972 ، ​أما الخليفة محمد الحسن شمس الدين الذي تولى الخلافة عقب وفاة الشيخ مصطفى الملثم حتى العام 1983م ، فقد كان أنموذجاً فريداً للتقوى والورع ومكارم الأخلاق ، إذ كان يتخذ من خلوة السيد الحسن الميرغني رضي الله عنه بمسجد والده بالحلفاية ملاذاً يتعبد فيها كسلفه بعيداً عن فضول القول قبيل إقامة الصلاة بلحظات ، صامتاً صمتاً مهاباً وصابرا محتسبا ، كان يخرج إلى المسجد ببهجة الإيمان وكمال الهيبة ، نقياً في ثوبه تقيا في افعاله ، متوشحاً بجلبابه وعباءته ، تُسابقُه أرياجُ العطر الفواح من مسافات نائية ، وإذا ما عرَض له جهلُ جاهلٍ أو إساءةُ مسيء ، التزم الصمت الوارف وعضّ على لسانه بأدبٍ جمّ وتواضعٍ رفيع وصبر جميل ، يعف عن مقابلة السيئة بمثلها .

​ولقد تشرُفتُ وسعدت بمرافقته في صغري أواخر سبعينيات القرن الماضي في رحلة إيمانية إلى مدينة كسلا لحضور الذكرى السنوية للسيد الحسن الميرغني رضي الله عنه (ابو جلابية ) حيث انطلقنا من محطة سكة حديد الخرطوم وقتها وسط وداع مهيب من أهالي الحلفاية الأخيار ، تقدمتهم ابنته الفاضلة السيدة محمد الحسن شمس الدين (حفظها الله ومتّعها بالصحة والعافية) ، وحين حللنا برحاب حي الختمية بكسلا ، استقبلتنا داره العامرة هناك بفيض الصدق وكرم الضيافة من أنجاله الكرام وعلى رأسهم ابنته خديجة ، ​وطوال تلك الرحلة المباركة ذهاباً وإياباً ، كان الخليفة محمد الحسن لا يمل عن العبادة والذكر ، تارةً يُسبح بحبات مسبحته في ذكر الله ، وتارةً أخرى يرتل آيات كتاب الله ، وفي أوقات أنسه الطيبة يحادثني بلطف الأب وعطف العارف عن أصول الفقه والسيرة العطرة ، ومناقب والده مؤسس هذا الصرح الديني الشامخ الخليفة شمس الدين رحمه الله وغفر له وقد تولى الخلافة حتى وفاته في العام 1983 م حيث دفن بمقابر المعلا بمكة المكرمة ،​ وتتجسد أعظم معاني التجرد والزهد فيما يرويه الشيخ عبد الرحمن عثمان (حفيد محمد عبد الرحمن الهروال) كشاهدِ على العصر ، إذ يُذكر أنه عقب وفاة الخليفة محمد الحسن شمس الدين عام 1983م ، أقبل أبناؤه الأجلاء (أحمد ، وعثمان ، ومحجوب) إلى دار ابن أختهم الشيخ الفقيه عثمان محمد عبد الرحمن الهروال بحضور ابنه عبد الرحمن يلتمسون منه التصدّي لأمر الخلافة في مسجد والدهم ، لما وقر في صدورهم من عظيم مكانته وفضله وورعه ، غير أن الشيخ عثمان ، بأسلوب يعبق باللطف والتواضع الأصيل ، اعتذر عن تلك المهمة وكان أول المبادِرين بترشيح خاله الخليفة محجوب شمس الدين لتولي زمام الخلافة ، يمشي في ذلك على سنن الكبار متجرداً ، وقد كان ، حيث تولى الخلافة الخليفة محجوب شمس الدين الذي كان إماما وخطيبا للمسجد في فترة سبقت خلافته والتي تولاها منذ العام 1983م بعد وفاة الخليفة محمد الحسن شمس الدين مباشرة و حتى وفاته في العام 2021 فشهدت في عهده توسعات عمرانية كبيرة ، ومن أبرزها فترة التحديث والعمران من الناحية الشمالية للمسجد التي قام بها رجل البر والإحسان حسن سكوت ، حيث أضاف تحسينات عمرانية متطورة عززت من مكانة المسجد في المجتمع .

وشهدت فترة خلافة مولانا محجوب توسعة المسجد من الناحية الجنوبية أشرف عليها بنفسه شملت تسوير المسجد ، اقامة مخزن ، تشييد عددا من الحمامات ، ترميم وطلاء للمسجد اسهموا فيها بعض الأخيار المحسنين منهم ا.طارق ابراهيم ووالده د. ابراهيم محمد ابراهيم وبعض الخيرين العرب من السعودية .

كما اصدر الخليفة محجوب شمس الدين كتابه ( زهرة الليمون من منبر الفكي شمس الدين ) قبيل وفاته في العام 2016 م.

ومنذ العام 2021 وحتى يومنا هذا يواصل الشيخ إبراهيم مصطفى الملثم مسيرة الخلافة و التعليم والعبادة ، محافظًا على إرث المشايخة ومطورًا أنشطة المسجد والخلوة لتواكب العصر مع الحفاظ على الأصالة وقد شهدت فترته توسعات عمرانية للمسجد اسهم فيها الخليفة شمس الدين احمد بعون ودعم أبناء الحلفاية داخلها وخارجها.

وإلى جانب ذلك ، قدّم شمس الدين أحمد شمس الدين وأحفاد المرحوم الهروال ، وكذلك أيوب عبد الله حمد صباحي ، ومازالوا يقدمون دعمًا وسندا كبيرًا للخليفة الحالي الشيخ إبراهيم مصطفى الملثم ، متعه الله بالصحة والعافية ورد غربته ، الأمر الذي اسهم في استمرار رسالة المسجد وتطوير أنشطته حتى تاريخ نشر المقال .

وقد ارتبط المسجد بكرامات الأولياء والصالحين الذين عُرفوا بالزهد والورع ، ومنهم الخليفة شمس الدين الذي كان يُروى عنه نور البصيرة في الظلام ، والشيخ مصطفى الملثم الذي اشتهر بكرم الضيافة وإغاثة المحتاجين ، والخليفة محجوب شمس الدين الذي عُرف بصدق الدعاء والتقرب الي الله تعالى في الشدائد .

وظل المسجد مقصدًا للزائرين من مختلف أنحاء السودان ، يتبركون بذكر الصالحين ويستحضرون سيرهم العطرة .

إن مسجد وخلوة الفكي شمس الدين بحلفاية الملوك هو سجلّ حيّ لتاريخ ممتد من العلم والعبادة ، تعاقب عليه الخلفاء والأئمة جيلاً بعد جيل ، فحملوا رسالة القرآن الكريم ونشروا العلم والتصوف ، ليبقى المسجد شاهدًا على تواصل الأجيال وحفظ التراث الديني والاجتماعي في السودان .

إنه منارةٌ لا تنطفئ أبدا بإذن الله ، ومؤسسةٌ تجمع بين الأصالة والتجديد ، وبين العلم والكرامة ، وبين الماضي والحاضر في سيرةٍ تستحق التوثيق والاعتزاز.

لم يكن مسجد الفكي شمس الدين بحلفاية الملوك مجرد بيتٍ للصلاة والذكر ، بل ظل عبر تاريخه الطويل رمزًا للتطور ومواكبة العصر ، حتى في مجال الخدمات التي تعين المصلين على أداء شعائرهم في راحةٍ وطمأنينة

، فقد أسهم نفرٌ كريم من أبناء العمومة بالخارج ، منهم أ. طارق إبراهيم محمد إبراهيم عبد الهادي البدوي المقيم بالرياض ، وأ. محمد محجوب شمس الدين المقيم باليابان ، وغيرهم من المحسنين الخيرين ، في إضافة منظومة الطاقة الشمسية لخدمات المسجد بطاقةٍ تمتد لأكثر من 14 كيلواط/ساعة ، لتسعد المصلين بالإضاءة والإنارة ، والتبريد والتكييف ، وخدمات المياه ، في مشهدٍ يترجم معنى العطاء ويجسد روح التعاون .

ولأن المسجد كان دائمًا منارةً للعبادة ، فقد ارتبط اسمه بأصوات المؤذنين الذين رفعوا نداء الحق عبر العقود ، ومن أبرزهم ليس حصرا ، الحسن محمد ، عثمان محمد عبد الرحمن الهروال ، الصديق الحسن محمد ، ابراهيم العمدة ، إدريس محمد أحمد ، حاج عمر محمد عمر ، أحمد الخليفة علي ، عبد الوهاب بابكر ، حسن مصطفى الملثم ، إبراهيم مصطفى الملثم ، محجوب شمس الدين ، إبراهيم محمد خوجلي ، محمد إبراهيم محمد خوجلي ، شرف الدين يوسف القاعوري ، محمد عثمان الهروال ، صلاح عباس الإمام ، ادريس دوليب ، أحمد العبد ، أزهري حجازي ، عبد الرحمن عثمان الهروال ، محمد حمد الترابي ، عبد القوي محمد حمد ، عبد الحليم الصديق الحسن ، محمد عبد الحليم الصديق ، عبد الرازق إدريس محمد أحمد ، نادر أحمد يوسف ، فتح الرحمن عبد الله أحمد السيد خوجلي ، خالد عبد الله أحمد السيد خوجلي ، شمس الدين أحمد شمس الدين ، علي السيد ، حمزة عوض الله ادريس ، الحاج عوض ، ابراهيم محمد احمد السيد وصولا لجيل احمد نصر الدين التكي وزمرته الطيبة ، هؤلاء الرجال وغيرهم كانوا أصواتًا للحق ، يرفعون الأذان في أوقات الصلاة ، فيتردد صداهم في أرجاء المنطقة ، ويُسجَّل اسمهم في ذاكرة المسجد كجزءٍ من تاريخه التليد .

إن تطور مسجد الفكي شمس الدين في بنيانه وخدماته ، وارتباطه بأصوات المؤذنين عبر الأجيال ، يبرهن أن المساجد هي مؤسسات حياة ، تتجدد بالعطاء ، وتبقى مناراتٍ للإيمان والروحانية .

أشتات :

1-كان محمد الحاج عمارة علماً من أعلام القضاء ، إذ تولى منصب (فاضي القضاء) في محكمة دولة سنار ، فسطع اسمه في سجل العدالة والإنصاف .

2- جلس إمام وطه في رحاب الخلوة ، يدرّسان العلوم الشرعية إلى جانب حلقات القرآن الكريم ، فكانا منارات علم وهدى لأهل الحلفاية .

3- فيما بلغ مصطفى طه الحاج عمارة منزلة رفيعة عند حكام العهد التركي ، حتى غدا مرجعاً للعلم والقرآن ، وعلى يديه حفظ معظم أبناء الحلفاية كتاب الله الكريم .

4- كان السيد محمد الحسن الميرغني رضي الله عنه ، المعروف بالحسن أبوجلابية ، يزور المسجد ويقيم في الخلوة التي ما زالت حتى اليوم تحمل اسمه شاهدة على أثره المبارك .

5- وُلد الفكي شمس الدين عام 1858م ، وعاش حياة حافلة بالعلم والعبادة حتى توفي عام 1942م عن عمر ناهز (84) عاماً ، تاركاً إرثاً روحياً باقياً في ذاكرة الأجيال .

6- في فترة المهدية ، رحل أهالي الحلفاية إلى أم درمان الحتانة بأمر خليفة المهدي ، وهناك أقام الفكي شمس الدين خلوته ومسجده ، ثم عاد بعد ذلك إلى الحلفاية ليعمر مسجده وخلوته من جديد ، في مشهد يخلّد صبره وإصراره على إحياء العلم والعبادة .

7-كما شهد المسجد فترة مميزة في عهد مولانا عثمان محمد عبد الرحمن الهروال الذي تولى الإمامة والتدريس ، وأسهم في نشر العلم وربط المسجد بالأنشطة المتعددة.

8- المقبرة الملحقة بالمسجد تضم عددا من خلفاء وأئمة المسجد تشمل رفاة :

الفكي مصطفى طه المتوفى في العام 1858 ، الفكي طه 1920، الفكي شمس الدين 1942،

الفكي احمد الملثم 1949،

الشيخ مصطفى الملثم 1972.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى