مقالات الرأي

العمر يمضي إلينا… والرزق يمضي إلينا

العمر يمضي إلينا… والرزق يمضي إلينا

 

من أكثر ما يُرهق الإنسان في هذه الحياة أنه ينشغل بما ليس في يده، ويهمل ما هو بين يديه. يقلق على رزقه وكأنه يستطيع أن يصنع نصيبه بقلقه، ويخاف على عمره وكأنه قادر على إيقاف الزمن، ثم يمضي جزءًا من حياته في مراقبة حياة الآخرين، حتى ينسى أن لكل إنسان طريقه، وتوقيته، ونصيبه.

 

قال تعالى:

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، وقال سبحانه:

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].

 

بين الرزق والأجل تختصر الحياة واحدة من أعظم حقائقها: هناك أشياء قدّرها الله، وهناك أشياء حمّل الإنسان مسؤولية التعامل معها.

 

فالإنسان لا يملك مقدار عمره، ولا توقيت رحيله، ولا حجم رزقه، لكنه يملك كيف يعيش، وكيف يسعى، وكيف يتعامل مع ما أُعطي، وماذا يترك خلفه.

 

وهنا تبدأ الحكمة.

ليست مشكلة الإنسان دائمًا في قلة ما يملك، وإنما في الطريقة التي ينظر بها إلى ما يملك. فقد يكون غنيًا بالنعم، لكنه فقير في الرضا؛ وقد يمتلك كثيرًا، لكنه يعيش أسيرًا لما عند الآخرين.

 

لقد جعلت المقارنة المستمرة الإنسان يعيش في سباق لا نهاية له.

 

يرى نجاح غيره فيظن أنه متأخر، ويرى مال غيره فيظن أنه محروم، ويرى حياة غيره فيتساءل لماذا لم تُفتح له الأبواب نفسها.

 

ومع اتساع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان يرى نتائج الآخرين دون أن يرى سنوات تعبهم، ويشاهد مظاهر حياتهم دون أن يعرف أثمانها الخفية؛ فيقارن كواليس حياته بصورة منتقاة من حياة الآخرين، ثم يحكم على نفسه بأنه أقل حظًا.

 

وهنا تبدأ معاناة لا علاقة لها بالفقر الحقيقي، وإنما بفقر المقارنة.

 

المشكلة ليست أن الإنسان يريد المزيد؛ فالرغبة في التطور طبيعة بشرية، والطموح قيمة، والسعي مطلوب. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المزيد إلى معيار لقيمة الإنسان، فيصبح المال إثباتًا للذات، والمنصب إثباتًا للمكانة، والظهور إثباتًا للنجاح.

 

عندها لا يعود الإنسان يطلب الرزق فقط، بل يطلب من الرزق أن يخبره بأنه أفضل من غيره.

 

وهذا من أكثر ما يسرق راحة الإنسان.

فالناس لا يتساوون في الأرزاق، كما أنهم لا يتساوون في الطرق. قد يُعطى إنسان مالًا ويُحرم الطمأنينة، ويُعطى آخر صحةً ولا يملك المال، ويُرزق ثالث أسرةً صالحة تكون أعظم ثرواته، بينما يظن أنه أقل حظًا لأنه لا يملك ما يراه في أيدي الآخرين.

الرزق أوسع من المال، والغنى أوسع من الممتلكات.

 

قد يكون الرزق قلبًا مطمئنًا، وصديقًا صادقًا، وبيتًا تسكنه المودة، وولدًا صالحًا، وسترًا من الله، وفرصة جاءت بعد صبر، وقدرة على تجاوز محنة لم يكن الإنسان يظن أنه سيتجاوزها.

 

وكذلك العمر ليس مجرد عدد السنوات التي تظهر في شهادة الميلاد؛ فالقيمة ليست في طول العمر وحده، وإنما في عمق ما يُنجز خلاله.

 

كم من إنسان عاش طويلًا ولم يترك إلا الذكرى العابرة، وكم من إنسان كانت سنواته أقل، لكنه ترك أثرًا امتد بعد غيابه.

 

ولهذا فالسؤال الأهم ليس: كم عشت؟

ولا: كم جمعت؟

بل: ماذا فعلت بما أُعطيت؟

 

فالعمر فرصة، والرزق أمانة، والإنسان مسؤول عن حسن استخدامهما.

 

والتوكل هنا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن السعي، بل أن يسعى دون أن يجعل قلبه أسيرًا للنتيجة. أن يعمل، ويخطط، ويجتهد، ويطرق الأبواب، ثم يدرك أن الأسباب لا تملك النتائج.

 

ابذل ما تستطيع، واترك ما لا تستطيع لمن يملك كل شيء.

حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الفهم، يتغير سلوكه الاجتماعي أيضًا؛ يقل حسده، ويهدأ قلقه، ويتوقف عن النظر إلى نجاح الآخرين بوصفه خصمًا من نصيبه.

 

فالذي يطمئن إلى رزقه لا يحتاج إلى إسقاط رزق غيره، والذي يعرف أن لكل إنسان نصيبه لا يحاول سرقة مكانه، والذي يدرك أن العمر محدود لا يبدده في خصومات صغيرة، ولا يستنزفه في مراقبة من حوله.

 

كم من علاقات انتهت بسبب المقارنة، وكم من قلوب أرهقها الحسد، وكم من إنسان أضاع سنوات من عمره لأنه كان منشغلًا بما في يد غيره، بينما كانت نعمته الحقيقية تقف أمامه دون أن يراها.

 

الحياة لا تُقاس فقط بما نأخذه منها، وإنما بما نضيفه إليها.

 

إن كان الله قد رزقك مالًا، فاجعل منه بابًا للخير. وإن أعطاك علمًا، فاجعل منه نورًا لغيرك. وإن منحك مكانة، فاجعلها وسيلة لخدمة الناس. وإن أعطاك عمرًا، فلا تنفقه كله في جمع الأشياء؛ اجمع أيضًا المواقف الطيبة، والقلوب التي أسعدتها، والخواطر التي جبرتها، والأثر الذي يبقى بعد الرحيل.

 

فالعمر بيد الله، والرزق عند الله، أما الأثر فهو مسؤولية الإنسان.

 

وفي النهاية، سيكتشف الإنسان أن كثيرًا مما أقلقه لم يكن يحتاج كل ذلك الخوف؛ فالرزق الذي كُتب له جاءه، والعمر الذي مُنح له مضى، والأيام التي أضاعها في القلق لم تعد إليه.

 

لذلك ليس المطلوب أن يتوقف الإنسان عن الطموح، وإنما أن يتحرر من عبودية المقارنة؛ أن يسعى ليكون أفضل من نفسه بالأمس، لا أن يعيش أسيرًا لمحاولة أن يكون أفضل من الآخرين.

 

اسعَ في الأرض، واطمئن إلى السماء.

اعمل دون غرور، واطمح دون جشع، وارضَ دون استسلام.

فما كُتب لك سيأتيك، وما لم يُكتب لك لن تناله ولو اجتمعت له الأسباب.

 

وحين يفهم الإنسان هذه الحقيقة، يصبح أكثر سلامًا مع نفسه، وأكثر رحمة بالآخرين، وأكثر قدرة على الاستمتاع بما لديه.

 

وعندها يعرف أن السؤال الحقيقي في نهاية الرحلة ليس: كم كان نصيبي من الدنيا؟

بل:

 

ماذا صنعت بنصيبي؟

وكم خيرًا مرّ من خلالي؟

 

وكم أثرًا طيبًا تركته خلفي؟

 

فالعمر يمضي إلينا، والرزق يمضي إلينا، أما نحن… فنمضي بما صنعناه بينهما.

 

وقد ينتهي العمر، وينفد الرزق، وتغيب الملامح، لكن الأثر الطيب يملك حياةً أخرى لا تنتهي بانتهاء صاحبه.

،،،،،،،، ابو يامن ،،،،،،،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى