
قراءة تحليلية لكلمة الحارث إدريس في مجلس الأمن..
بقلم: احمد اسماعيل حسن
– معركة الدبلوماسية السودانية لتصحيح صورة الحرب وتغيير قواعد التعامل معها
• من الدفاع عن الجيش إلى الدفاع عن الدولة.. ومن رفض العقوبات الشاملة إلى طرح بديل يستهدف مصادر السلاح وممولي الحرب
لم تكن كلمة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، أمام مجلس الأمن في جلسته الخاصة بالسودان في 24 أغسطس 2026، مجرد بيان احتجاجي على مقترح توسيع حظر السلاح المفروض بموجب القرار 1591، وإنما بدت أقرب إلى مرافعة دبلوماسية متكاملة لإعادة تعريف الحرب السودانية أمام المجتمع الدولي.
وتكتسب الكلمة أهميتها من توقيتها؛ فقد جاءت في لحظة تحاول فيها الولايات المتحدة الدفع باتجاه توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، في وقت يرى السودان أن مثل هذا الإجراء قد يضعف قدرة القوات المسلحة على حماية المدنيين، بينما لا يعالج بصورة مباشرة مصادر تسليح القوات المتمردة. وقد عرض السفير الحارث بديلاً يقوم على الوصول إلى مصادر السلاح وطرق تهريبه والوسطاء والممولين، بدلاً من فرض حظر أفقي شامل.
أولاً: نقل المعركة من «حظر السلاح» إلى «من يسلّح الحرب؟»
أبرز ما في خطاب السفير الحارث أنه لم يكتفِ برفض توسيع حظر السلاح، وإنما قدم منطقاً بديلاً للعقوبات.
فهو يقول بصورة واضحة إن المشكلة ليست في وجود السلاح داخل السودان فقط، وإنما في المصدر الذي يأتي منه السلاح، والممرات التي يعبر من خلالها، والوسطاء والناقلين والممولين الذين يقفون وراء تدفقه.
ولهذا اقترح ما سماه عملياً «التجذير الرأسي» للحظر، من خلال الوصول إلى مصادر السلاح وتفتيش الممرات ونقاط العبور وفرض العقوبات على الوسطاء والناقلين والممولين وإنشاء نظام فعال لتتبع الأسلحة المهربة.
وهذه نقطة دبلوماسية شديدة الأهمية؛ لأن السودان لم يضع نفسه في موقف الرافض لكل إجراء دولي، وإنما حاول أن يقول لمجلس الأمن:
نحن لا نرفض مكافحة السلاح، بل نرفض أن تكون المعالجة بطريقة تعاقب الدولة بينما تترك جذور المشكلة دون معالجة.
وهذا يحول الموقف السوداني من مجرد «رفض» إلى طرح سياسة بديلة.
ثانياً: أخطر ما في الكلمة.. تفكيك معادلة «الطرفين»
من أقوى الرسائل التي حملتها الكلمة تأكيد السفير الحارث أن استخدام الطائرات المسيّرة من جانب طرفين لا يعني بالضرورة أن الطرفين متساويان.
وقد صاغ الفكرة على أساس أن العبرة ليست بالسلاح وحده، وإنما بدافع استخدامه والهدف الذي يُستخدم ضده.
فبحسب الموقف الذي عرضه، هناك فارق بين من يستخدم المسيّرات لاستهداف المدنيين والبنية التحتية، وبين من يستخدم وسائل الدفاع الجوي والتقنيات العسكرية للتصدي للهجمات وحماية المدنيين.
وهنا تحاول الدبلوماسية السودانية نقل النقاش من:
«الجيش والدعم السريع يستخدمان السلاح نفسه»
إلى:
«ما الغرض من استخدام السلاح؟ ومن هو الهدف؟ ومن يملك الصفة القانونية للدفاع عن الدولة؟»
وهذه معركة مهمة جداً في تشكيل الموقف الدولي؛ لأن مساواة الجيش الرسمي بقوة متمردة بمجرد أن كليهما يستخدم الطائرات المسيّرة أو الأسلحة الثقيلة قد تنتج، سياسياً، مساواة بين مؤسسة الدولة وبين القوة الخارجة عليها.
والخطاب هنا لا يدافع عن استخدام السلاح بلا قيود، وإنما يحاول تثبيت قاعدة أكثر دقة: المعيار هو القانون الدولي الإنساني، وطبيعة الهدف، والنية، والوسيلة، والنتيجة، وليس مجرد امتلاك السلاح.
ثالثاً: حماية المدنيين.. تحويل الاتهام إلى ملف موثق
لم يكتف السفير الحارث بالقول إن الحكومة تحمي المدنيين، بل قدم أمام المجلس ما وصفه بـ«الخطة الوطنية لحماية المدنيين»، وقال إن الحكومة أنشأت آلية وطنية برئاسة وزير الداخلية وعضوية المؤسسات ذات الصلة.
كما عرض إجراءات قال إن القوات المسلحة والشرطة تتخذها، من بينها التحذير من مناطق العمليات، واتخاذ تدابير احترازية بشأن الأهداف، وتأمين الطرق والمناطق الحضرية، وإزالة مخلفات الحرب، إلى جانب استئناف الشرطة لمهامها في عدد من المناطق.
دبلوماسياً، هذه النقطة مهمة لأنها تحاول الإجابة عن سؤال أساسي يواجه الحكومة السودانية في المحافل الدولية:
ماذا تفعل الدولة لحماية المدنيين؟
بدلاً من الاكتفاء بالرد على الاتهامات، قدم الخطاب تصوراً مؤسسياً للحماية.
لكن الأهم هو أن هذه الحجج تحتاج لاحقاً إلى أدلة مستقلة قابلة للتحقق دولياً حتى تتحول من موقف سياسي سوداني إلى سردية دبلوماسية أكثر تأثيراً.
رابعاً: العودة الطوعية للنازحين كـ«مؤشر سياسي وأمني»
استخدم الخطاب قضية عودة النازحين واللاجئين كأحد الأدلة على تغير الأوضاع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
وأشار البيان إلى عودة ملايين النازحين واللاجئين، وإلى توقع زيادة العدد خلال نهاية العام. كما ربط العودة بتحسن الوضع الأمني واستعادة الخدمات.
وهذه الحجة تحمل قيمة سياسية كبيرة؛ لأنها تقول للمجتمع الدولي إن السودان لا يعيش فقط حالة حرب، بل توجد أيضاً مناطق بدأت تستعيد الحياة الطبيعية.
لكن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى صياغة دقيقة في الخطاب الدبلوماسي؛ فالعودة لا تثبت وحدها أن طرفاً معيناً لا يستهدف المدنيين، لأن أسباب العودة متعددة، كما أن الظروف تختلف من منطقة إلى أخرى.
الأقوى هو استخدامها كجزء من حزمة أدلة تشمل الأمن، والخدمات، وحركة السكان، وعودة المؤسسات الحكومية، وشهادات المنظمات الدولية.
خامساً: الملف الإنساني.. السودان يحاول تغيير صورة «الدولة المعرقلة»
من النقاط اللافتة في الكلمة تقديم أرقام وإجراءات تتعلق بتسهيل العمل الإنساني.
فقد تحدث البيان عن إعفاءات جمركية وضريبية، وتحمل تكاليف ترحيل المساعدات، وتنفيذ آلاف الإجراءات الإدارية والفنية، واعتماد معابر ومسارات إنسانية، إلى جانب الحديث عن وصول مساعدات إلى ملايين المتأثرين.
الدلالة السياسية لهذا المحور واضحة:
الخرطوم تريد أن تقول إن مشكلة المساعدات ليست كلها ناتجة عن إجراءات الحكومة، وإنما توجد عوامل أخرى مرتبطة بالأمن والتمويل ونهب المساعدات واستغلال بعض المسارات لأغراض عسكرية.
وهذه محاولة مهمة لنقل السودان من خانة «الدولة التي يُطلب منها تسهيل المساعدات» إلى خانة الدولة التي تقدم نفسها شريكاً في إدارة الملف الإنساني.
وفي الوقت نفسه، عرض الخطاب أن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لم يتجاوز 38.9% خلال يناير ـ يونيو 2026، وهو ما يعني وجود فجوة تمويلية ضخمة.
وهنا تبرز نقطة دبلوماسية مهمة: السودان لا يطلب فقط رفع القيود، وإنما يطالب المجتمع الدولي أيضاً بتمويل الاستجابة الإنسانية.
سادساً: العنف الجنسي.. فتح ملف المساءلة الدولية
تطرق السفير الحارث إلى العنف الجنسي والاغتصاب والزواج القسري وغيرها من الانتهاكات، وقال إن الحكومة ملتزمة بملاحقة مرتكبي الجرائم وإنهاء الإفلات من العقاب، كما أشار إلى توقيع السودان إطار التعاون مع الأمم المتحدة لمنع العنف الجنسي في النزاعات المسلحة في أبريل 2025.
وهذا المحور مهم للغاية؛ لأنه يضع الحكومة في مواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في القانون الدولي الإنساني.
والرسالة هنا ليست فقط اتهام المليشيا، وإنما أيضاً إعلان أن المساءلة والعدالة جزء من الحل السوداني.
ومن الناحية الدبلوماسية، هذه خطوة أكثر قوة من الاكتفاء بالخطاب السياسي، لأنها تربط الموقف السوداني بمفاهيم الأمم المتحدة ذات الصلة بالمرأة والسلام والأمن، وبمبدأ مكافحة الإفلات من العقاب.
سابعاً: الحرب في خطاب الحارث ليست «حرباً داخلية» فقط
أحد أهم التحولات في الكلمة أنها سعت إلى وضع الحرب السودانية داخل إطار أوسع من الصراع الداخلي.
فقد تحدث البيان عن تدفق الأسلحة والمنظومات العسكرية المتطورة، وعن احتمال انتقال بعضها إلى منطقة القرن الأفريقي والساحل، محذراً من مخاطرها على الطيران المدني والبعثات الأممية وعمليات مكافحة الإرهاب.
وهذا يعيد صياغة القضية باعتبارها أزمة أمن إقليمي ودولي.
فإذا أصبحت الأسلحة المضادة للطيران والمسيّرات والأسلحة المتطورة قابلة للانتقال إلى جماعات مسلحة في دول أخرى، فإن استمرار الحرب السودانية لا يصبح شأناً سودانياً محضاً.
وهذه ربما واحدة من أقوى الحجج التي يمكن أن تستثمرها الدبلوماسية السودانية في المرحلة المقبلة.
ثامناً: الإمارات.. نقل الاتهام من السياسي إلى الأمني
كان من أكثر أجزاء الخطاب حساسية دعوة السفير إلى وقف ما وصفه بتدفق السلاح الإماراتي إلى المليشيا.
هذه النقطة ليست جديدة في الخطاب السوداني، لكنها في هذه الجلسة أخذت موقعاً مركزياً داخل الحجة المتعلقة بحماية المدنيين وتدفق السلاح.
والأهمية الدبلوماسية هنا أن الخرطوم تحاول تحويل القضية من اتهام سياسي متبادل إلى ملف يمكن أن يخضع للتحقيق والتتبع:
من أين جاء السلاح؟
كيف وصل؟
من موّله؟
من نقله؟
ما نوعه؟
أين استُخدم؟
ومن ثم فإن أقوى ما يمكن أن تفعله الدبلوماسية السودانية هو تقديم ملفات أدلة قابلة للفحص الدولي بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات.
تاسعاً: السلام.. نقطة قوة مهمة في خطاب السودان
من النقاط التي تعطي الخطاب وزناً سياسياً أنه لم يقدّم الحرب باعتبارها الخيار الوحيد.
فالبيان تحدث عن مبادرة سلام قدمتها الحكومة في ديسمبر 2025، تتضمن وقفاً لإطلاق النار تحت مراقبة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وانسحاب الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، وترتيبات لإعادة دمج من لم يرتكبوا جرائم حرب، وانتخابات حرة وعدالة انتقالية.
كما أشار إلى قبول الحكومة السودانية للمقترح الأمريكي من حيث المبدأ، مع بقاء الخلاف في تسلسل الخطوات وآليات التنفيذ.
وهذه نقطة شديدة الأهمية دبلوماسياً.
فالرسالة ليست:
«نحن نرفض السلام».
بل:
«نحن نقبل مبدأ السلام، لكننا نختلف حول كيفية الوصول إليه وضمان عدم استخدام الهدنة لإعادة ترتيب القدرات العسكرية».
وهذا فارق كبير في الخطاب الدولي.
عاشراً: القيمة الكبرى للكلمة.. إعادة تعريف «الحياد»
ربما تكون القضية الأعمق في خطاب الحارث إدريس هي محاولة إعادة تعريف مفهوم الحياد الدولي.
فإذا كان مجلس الأمن يريد أن يكون محايداً، فإن الحياد ــ وفق المنطق الذي قدمه الخطاب ــ لا يعني وضع الدولة والقوة المتمردة على قدم المساواة.
الحياد الحقيقي يعني:
حماية المدنيين، وتجفيف مصادر السلاح، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، واحترام سيادة الدولة، وعدم مكافأة القوة المسلحة الخارجة على القانون.
ولهذا رفض السودان فكرة توسيع حظر السلاح بصورة شاملة، واقترح بدلاً منها استهداف مصادر السلاح وشبكاته.
وهذه الحجة تكتسب أهمية خاصة في ظل النقاش داخل مجلس الأمن حول مشروع أمريكي لتوسيع حظر السلاح على كامل السودان، وهو مشروع واجه تحفظات روسية وصينية.
الأثر المحتمل للكلمة على الدبلوماسية السودانية
يمكن تلخيص الأثر الدبلوماسي للكلمة في خمسة مستويات:
1. تثبيت رواية الدولة:
الخطاب حاول نقل السودان من خانة «طرف في حرب أهلية» إلى خانة «دولة تواجه تمرداً مسلحاً وتدافع عن مؤسساتها وسيادتها».
2. تفكيك مساواة الأطراف:
وضع أساساً خطابياً وقانونياً لرفض التعامل مع القوات المسلحة والدعم السريع ككيانين متساويين في الوضع القانوني.
3. تقديم بديل للعقوبات الشاملة:
بدلاً من رفض العقوبات بصورة مطلقة، قدم مقاربة تستهدف شبكات التسليح والتمويل والنقل.
4. تدويل ملف الدعم الخارجي:
محاولة نقل قضية السلاح والتمويل الخارجي من مستوى الاتهامات السياسية إلى مستوى الأمن الإقليمي والدولي.
5. الجمع بين الحرب والسلام:
الخطاب لم يغلق الباب أمام التفاوض، وإنما حاول ربط السلام بانسحاب القوات المتمردة، وحماية المدنيين، وإعادة بناء الدولة.
أين تكمن قوة الخطاب؟ وأين يحتاج إلى مزيد من العمل؟
قوة الخطاب الأساسية أنه لم يكن دفاعياً بالكامل.
فهو لم يقل فقط: «لا تعاقبونا»، وإنما قال: «هذه هي الخطة الوطنية، وهذه هي إجراءات حماية المدنيين، وهذه هي مشكلة السلاح، وهذا هو البديل، وهذه هي مبادرات السلام».
لكن التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية السودانية هو الانتقال من قوة الحجة السياسية إلى قوة الإثبات الدولي المستقل.
فكلما تحدث السودان عن أعداد الضحايا، أو مصادر السلاح، أو عودة النازحين، أو الهجمات بالطائرات المسيّرة، أو الدعم الخارجي، فإن أفضل وسيلة لتعزيز أثره هي تقديم:
صور الأقمار الصناعية.
أرقام موثقة زمنياً ومكانياً.
تقارير خبراء مستقلين.
أرقام شحنات ومسارات ومطارات ومنافذ.
أدلة على أنواع الأسلحة وأرقامها التسلسلية.
شهادات موثقة للضحايا.
تقارير طبية وقانونية.
بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
ملفات قانونية يمكن تقديمها لمجلس الأمن والمحاكم الدولية.
وهنا يمكن للدبلوماسية السودانية أن تنتقل من «الرواية السودانية» إلى «الملف الدولي».
الخلاصة
كلمة السفير الحارث إدريس أمام مجلس الأمن يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإحداث تحول في المعركة الدبلوماسية حول السودان:
من الدفاع عن الحكومة إلى الدفاع عن الدولة،
ومن رفض العقوبات إلى اقتراح عقوبات أكثر دقة،
ومن الحديث عن طرفي الحرب إلى التمييز بين مؤسسة الدولة والقوة المتمردة،
ومن الشكوى من التدخل الخارجي إلى تقديم التدخل الخارجي باعتباره جزءاً من مشكلة الأمن الإقليمي،
ومن طلب وقف الحرب فقط إلى طرح شروط لسلام قابل للاستمرار.
والأهم أن الخطاب وضع مجلس الأمن أمام معادلة يصعب تجاهلها:
إذا كان الهدف حماية المدنيين، فهل يكون منطقياً إضعاف القوة العسكرية التي تقول الدولة إنها تستخدمها لحماية المدنيين، من دون معالجة مصادر تسليح القوة التي تستهدفهم؟
ومن هنا تأتي أهمية اقتراح السفير الحارث «التجذير الرأسي للحظر» بدلاً من توسيعه أفقياً؛ أي ملاحقة مصدر السلاح والممول والناقل والوسيط ومسار التهريب، بدلاً من فرض حظر شامل قد تكون آثاره غير متساوية على أطراف الصراع.
وفي تقديري، فإن هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتحول إلى محور أساسي في الدبلوماسية السودانية خلال المرحلة المقبلة: ليس الاكتفاء بإقناع العالم بأن السودان يتعرض لحرب، وإنما إقناعه ــ بالأدلة والوثائق ــ بطبيعة الحرب، وبشبكات إطالتها، وبالفارق بين الدولة ومؤسساتها وبين القوى المسلحة الخارجة عليها، وبأن حماية المدنيين لا يمكن فصلها عن حماية الدولة نفسها.