“خُدْرَة الخريف”.. خير المطر الذي يُطعم بلا تكلفة

كتب: محمد النحوي الشريف
مع بدايات سبتمبر هذا، يبدأ موسم “الملوخية” الحقيقي في مناطق الزراعة المطرية بالسودان. لا بذور مشتراة، ولا وقود، ولا ري. فقط أرض شربت وسماء جادت، فتنبت “الخُدْرة” “براها بروس” في “البلدات والحواشات والأراضي” البور”.
في مناطق الزراعة المطرية تقوم “الخُدْرة” عفوياً. في القضارف وسنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض والجزيرة، يتحول الخريف إلى موسم “حصاد يومي” للخُدْرة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر.
ويسميها المزارعون “ملاح الجيب الفاضي” لأنها لا تكلف شيئاً. “تقطعها من الخلا الصباح وتلقاها في الحلة الضُهر”.
وفي هذه الأيام قد تجد “الفريق كلو طابخ خُدْرة” في اليوم نفسه. و”ريحة المفراكة في الهوا” باتت علامة على أن الخريف “جاد بخيرو”.
وتقول الحاجة آمنة من النيل الأزرق: “خُدْرة المطر طعمها براهو. الورقة خضراء وطرية، لا سماد ولا تقاوى محسنة”.
ويقول المواطن الحسن من قرى شرق سنجة: “الوقفة الوقفتها معانا الخُدْرة في خريف “أوّل عَمنوَّل” ، وكت “الدعامة” دخلو البلد، أصلو ما بننساها”.
ورغم أن ذروتها في الخريف، إلا أن “الخُدْرة” تُزرع في كافة ولايات السودان على مدار السنة.
وتجود في مشروع الجزيرة ونهر النيل وشمال كردفان ودارفور والولايات المروية بالري الدائم. وبدأ مزارعون في نهر النيل يستخدمون “الطاقة الشمسية” لريها لخفض التكلفة وتوفيرها يومياً للأسواق.
ولها “مدرستان لا تلتقيان”:
“المفروكة”: تُفرك بـ “المفراكة” مع “الشروط اللخدر واليابس” والثوم والكزبرة، وتُقدم بالكسرة أو العصيدة. وهي “سيدة اللمة”.
“المفرومة”: تُفرَم ناعمةً وتُطبخ باللحمة، وتُقدم مع الأرز. وهي “نجمة فراش البكا والصيف”.
يتحرك سعر “ربطة الخُدْرة” صعوداً وهبوطاً حسب الموسم. وفي الخرطوم وأم درمان يتراوح سعر الربطة حالياً ما بين “1000 إلى 2000 جنيه”. “البيت الوافر داير مابين 4 لـ 5 رُبط”.
أما في الخريف فالمعادلة تنعكس. “خُدْرة المطر” خير مجاني يخفف العبء ويوفر سيولة الأسر. وكما يقولون: “ولو اشتريتها بألف جنيه بتملح ليك”.
يربط السودانيون بين “الخُدْرة” والصحة. فهي غنية بالحديد والكالسيوم وفيتامين A و C. وتصفها “الحبوبات” بأنها “للعيان” و”للزول الدايخ”.
وهي حاضرة في الأمثال: “المَا أكل خُدْرة مَا أكل”. ولبلاد المهجر يجففنها الأمهات ويرسلنها في “أكياس” إلى السعودية ومصر وكندا. وتُعرف “الخُدْرة” المجففة باسم “أم تكشو”.
وفي بعض الأسر لا تزال “لمة الغداء في الديوان” عنوانها “الخُدْرة”. تلاحظ أن أغلب “الصواني خُدْرة” بأنواعها… مفروكة ومفرومة، علامة على الكرم والبساطة والتكافل. وفي العزاءات تكون “صينية الخُدْرة بالكسرة الفيتريتة” و”الخُدْرة بالأرز” طقساً ثابتاً.
ورغم وفرتها في الخريف، تواجه زراعة “الخُدْرة” تحديات في الصيف: “شح الوقود” وارتفاع “مدخلات الإنتاج” وتذبذب “الترحيل”.
وينادي خبراء بإدخالها في مشروعات “الأمن الغذائي”، وتوفير “ثلاجات” لحفظها، وتشجيع “التجفيف” لأغراض التصدير.
ويقول خبير زراعي: “الخُدْرة محصول سريع. 40 يوماً وتكون في السوق. وخُدْرة المطر نعمة. ولو دعمنا زراعتها المطرية والمروية معاً لغطينا فجوة غذائية كبيرة”.
“الخُدْرة” ليست مجرد ورق أخضر في الحلة. هي “خير مطر”، و”اقتصاد بيت”، و”دواء فقراء”، و”هُويـّة سودانية”.