من البروتوكولات إلي بناء الجسور…. تحالف « الشمال» و«صحوة شعب النوبة» يفتح طريقا جديدا للسلام والوحدة أربعة بروتوكولات تعيد وصل ما قطعته الحرب.. من التداخل الاجتماعي إلى الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية تقرير: احمد اسماعيل حسن

من البروتوكولات إلي بناء الجسور…. تحالف
« الشمال» و«صحوة شعب النوبة» يفتح طريقا جديدا للسلام والوحدة
أربعة بروتوكولات تعيد وصل ما قطعته الحرب.. من التداخل الاجتماعي إلى الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية
تقرير: احمد اسماعيل حسن
في وقتٍ أنهكت فيه الحرب جسد السودان، وعمّقت الاستقطابات السياسية والاجتماعية مساحات التباعد بين مكوناته، جاءت خطوة برلمان أقاليم الشمال المتحد وكيان «صحوة شعب النوبة» لتقدم مساراً مختلفاً؛ مساراً يبدأ من المجتمع، ويستند إلى التاريخ والمصالح المشتركة، ويتطلع إلى صناعة جسور جديدة بين أبناء الوطن الواحد.
فقد وقّع الطرفان أربعة بروتوكولات للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز التوقيع نفسه، وتفتح الباب أمام تحالف مجتمعي وسياسي يمكن أن يشكل أحد المداخل المهمة لتعزيز السلام الأهلي، وتحصين النسيج الاجتماعي، ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام.
حين تتحول الجغرافيا إلى جسر
أهمية الحدث تبدأ من طبيعة العلاقة التي تجمع مكونات الطرفين؛ فالتاريخ الاجتماعي بين أبناء شمال السودان وجبال النوبة لم يكن يوماً محكوماً بحدود جغرافية صارمة.
ففي المدن والقرى والأسواق ومواقع العمل والتعليم والخدمة العامة، نشأت علاقات ممتدة بين أبناء الشمال وأبناء جبال النوبة، وتداخلت المصالح والعادات والصداقات والمصاهرات، لتصنع واقعاً اجتماعياً يقول إن ما يجمع السودانيين أعمق بكثير مما تفرقه السياسة.
ومن هنا، فإن إعادة تنظيم هذه الروابط في إطار مؤسسي ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما محاولة لتحويل الإرث الاجتماعي إلى رأس مال للسلام والاستقرار.
أربعة بروتوكولات.. ورسالة واحدة
السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني؛ أربعة مسارات اختارها الطرفان لتأسيس شراكة أكثر اتساعاً من العلاقات الرمزية.
فالسياسة تفتح الباب للحوار وتنسيق المواقف، والاقتصاد يصنع المصالح المشتركة، والمجتمع يعيد بناء الثقة، فيما يمثل الأمن أحد أهم ركائز حماية الاستقرار والتماسك الوطني.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للاتفاق؛ إذ إن السلام الذي يحتاجه السودان اليوم لا يمكن أن يبقى رهين غرف التفاوض، وإنما يجب أن يجد طريقه إلى المجتمعات والأسواق والقرى والمدن، وإلى العلاقات اليومية بين الناس.
من رواسب الماضي إلى صناعة المستقبل
واحدة من أبرز الرسائل التي حملها اللقاء الدعوة إلى تجاوز رواسب الماضي، ونبذ خطاب الكراهية، وتعزيز التعايش السلمي.
وهي رسالة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الحرب، حيث أصبحت اللغة السياسية والإعلامية والاجتماعية في كثير من الأحيان وقوداً للاستقطاب والانقسام.
ولذلك فإن مواجهة خطاب الكراهية لا ينبغي أن تكون مجرد شعار، بل مشروعاً مجتمعياً منظماً يبدأ بإعادة الاعتبار للحوار، واحترام التنوع، والاعتراف بحق كل المكونات في المشاركة في صناعة مستقبل السودان.
فالسلام الحقيقي لا يعني فقط توقف إطلاق النار؛ بل يعني أيضاً إعادة بناء الثقة بين السودانيين.
«النوبة» من الخصوصية إلى التحالف
وتشير الخطوة كذلك إلى تحول مهم في طريقة تعاطي «صحوة شعب النوبة» مع القضايا الوطنية؛ إذ لا تبدو الرؤية محصورة في حدود المطالب الخاصة بجبال النوبة، وإنما تتجه نحو بناء علاقات وتحالفات مع مكونات سودانية أخرى على أساس المشتركات والمصالح.
وهذا التحول يمكن أن يمنح قضايا المناطق والأقاليم بعداً وطنياً أوسع، ويجعل الخصوصية الثقافية والاجتماعية مدخلاً للتكامل بدلاً من أن تتحول إلى عزلة سياسية أو اجتماعية.
فالاحتفاظ بالخصوصية لا يعني الانفصال عن الوطن، كما أن الوحدة الوطنية لا تعني إلغاء التنوع.
«الشمال».. مفهوم يتجاوز الخريطة
أما برلمان أقاليم الشمال المتحد، فيطرح بدوره تصوراً يتجاوز مفهوم الشمال الجغرافي التقليدي، مستنداً إلى رؤية اتحادية تقوم على منح الأقاليم مساحة من الإدارة والخصوصية مع الحفاظ على وحدة السودان.
ومن هذه الزاوية، فإن التقارب مع «صحوة شعب النوبة» يأتي ضمن مسعى أوسع لبناء تحالفات تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة، وتجمع المكونات السودانية حول المشتركات الوطنية.
وهنا يمكن أن يصبح التحالف نموذجاً لفكرة أكبر: أن تتكامل الأقاليم والمجتمعات دون أن تفقد خصوصيتها، وأن تتحول الاختلافات إلى مصدر ثراء للقوة الوطنية.
الشباب.. من خنادق الحرب إلى ورش البناء
ولعل أكثر المشاهد دلالة في الحدث كان الحضور اللافت للشباب، الذين وجدوا أنفسهم خلال الحرب في قلب المواجهة الوطنية، قبل أن تبرز أمامهم الآن مهمة أكثر تعقيداً: الانتقال من التعبئة إلى البناء.
فالسودان الذي يخرج من الحرب يحتاج إلى جيل لا يكتفي بإدارة ذاكرة الصراع، وإنما يمتلك القدرة على إعادة بناء الجسور بين المجتمعات.
ولهذا فإن إدماج الشباب في مثل هذه التحالفات يمكن أن يمثل استثماراً حقيقياً في السلام، خصوصاً إذا تحولت مشاركتهم إلى برامج عملية في الإعمار، والحوار المجتمعي، والتنمية، ومناهضة خطاب الكراهية.
من الأمن العسكري إلى الأمن المجتمعي
وفي ظل تأكيد «صحوة شعب النوبة» على دعم القوات المسلحة والقوات المساندة لها، فإن البعد الأمني في البروتوكولات يكتسب أهمية خاصة.
لكن مفهوم الأمن في مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا يتوقف عند حماية الأرض، وإنما ينبغي أن يمتد إلى حماية المجتمع نفسه من التفكك والاستقطاب.
فكل مجتمع متماسك هو جدار إضافي في مواجهة الفوضى، وكل علاقة اجتماعية سليمة هي مساحة جديدة للسلام، وكل مشروع اقتصادي مشترك يقلل من دوافع الصراع ويخلق مصالح تجعل الاستقرار مصلحة للجميع.
هل يتحول التحالف إلى نموذج سوداني؟
السؤال الأهم الآن ليس: ماذا جرى توقيعه؟
بل: ماذا سيحدث بعد التوقيع؟
فنجاح البروتوكولات لن يقاس بعدد الكلمات التي حملتها الوثائق، وإنما بقدرتها على إنتاج واقع جديد.
وتكمن الفرصة في تحويل الاتفاق إلى مشروعات ملموسة؛ من ملتقيات الحوار المجتمعي، إلى المبادرات الشبابية، والتعاون الاقتصادي، والبرامج الثقافية، وآليات فض النزاعات، وحملات مواجهة خطاب الكراهية، وصولاً إلى شراكات تنموية تعود بالنفع على المجتمعات.
عندها فقط يمكن أن يتحول التحالف من اتفاق بين كيانين إلى نموذج قابل للتكرار بين بقية مكونات السودان.
السلام يبدأ من المجتمع
في نهاية المطاف، ربما تكون الرسالة الأهم التي يحملها هذا الحدث أن السودان لا يحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية تنهي الحرب، بل يحتاج أيضاً إلى اتفاق اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين مكوناته.
فبين شمال السودان وجبال النوبة تاريخ طويل من التداخل، وبين مختلف أقاليم السودان مصالح مشتركة أكبر من مساحات الخلاف.
ومن هنا، فإن البروتوكولات الأربعة قد تكون، إذا أحسن تنفيذها، أكثر من مجرد وثائق تعاون؛ فقد تتحول إلى لبنة في مشروع أوسع لإعادة بناء الثقة والسلام الأهلي.
إنها محاولة لبناء السودان من القاعدة إلى القمة؛ من المجتمع إلى الدولة، ومن العلاقات الإنسانية إلى الشراكات السياسية والاقتصادية.
وفي بلد مزقته الحرب، تصبح كل يد تمتد إلى يد أخرى، وكل جسر يُبنى بين مجتمعين، وكل خطاب يدعو إلى التعايش بدلاً من الكراهية، خطوة في الاتجاه الصحيح.
فالسودان الذي يحتاج إلى السلام لن تصنعه البنادق وحدها، ولن تحمي وحدته الشعارات وحدها؛ وإنما تصنعه المجتمعات حين تكتشف أن اختلافها يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن مصالحها المشتركة أكبر من خلافاتها، وأن وحدة الوطن تبدأ من قدرة أبنائه على العيش معاً.


