الأخبار

حكاوي من داخل ارض المعركة زينب.. حين يصبح البقاء شجاعة

 

*زينب الشجاعة.. امرأة بقيت حين غادر الجميع وعادت لتُعيد الحياة إلى ود نوباوي*

 

*من بيت فتح أبوابه للنازحين، وحديقة نمت وسط الخوف، إلى بيوت الغائبين ومحطات الكهرباء.. سيرة سودانية توثق كيف يصنع الناس العاديون بطولات استثنائية في زمن الحرب.*

 

رقيه الشفيع

 

النيل الدوليه – امدرمان

 

زينب عبد الله الشفيع بندقية لم تحمل، ولم تبحث عن بطولة تُروى. اختارت فقط أن تفعل ما يمليه عليها ضميرها حين ضاقت الحياة بالحرب: بقيت في ود نوباوي ما استطاعت، فتحت بيتها للأهل والجيران، ساعدت النازحين، تقاسمت الطعام والملابس مع المحتاجين، وزرعت الخضروات والزهور في زمن القصف.

 

وحين اضطرت إلى الرحيل، لم تنقطع صلتها بالمكان. عادت مع ابنها محمد إلى ود نوباوي عندما أصبح الرجوع ممكنًا، وشاركت في تنظيف البيوت والشوارع، وتفقد منازل الغائبين، وإعادة المياه والكهرباء، ثم عادت إلى عملها في الشركة السودانية للتوليد الحراري لتسهم من موقعها في إعادة تشغيل ما دمرته الحرب.

 

هذه ليست حكاية امرأة لم تعرف الخوف، وإنما حكاية امرأة عرفته واختارت رغم ذلك أن تواصل الحياة.

 

من ود نوباوي إلى الثورة، ومن مطابخ الحارات والتكايا إلى مكاتب الكهرباء، ومن رعاية النازحين إلى حراسة بيوت الغائبين، تمتد سيرة زينب عبد الله الشفيع كخيط إنساني وسط مشهد الحرب القاسي.

 

كانت ترى الخراب من حولها، لكنها كانت تبحث عن شيء آخر.

 

حين عاد الباعة إلى محطة صابرين بعد القصف، رأت في البصل والأرز والعدس والخضروات أكثر من مجرد سلع؛ رأت عودة الحياة.

 

وحين زرعت الملوخية والبامية والقرع والخيار والطماطم والباذنجان، ثم زرعت الجهنمية وزهور «صباح الخير»، كانت تفعل أكثر من زراعة حديقة.

 

كانت تقول إن للحياة مكانًا، حتى في قلب الحرب.

 

وحين عاد المصباح إلى بيت ظل مظلمًا شهورًا، لم ترَ فيه مجرد كهرباء عادت إلى الأسلاك، وإنما رسالة تقول: نحن هنا.. لم نمت.

 

لهذا تستحق زينب أن تُروى حكايتها.

 

إن الحروب لا تكتب تاريخها بالمعارك وحدها، وإنما بما يفعله الناس في المساحات التي تتركها المعارك خلفها: أم تطعم أطفالها، جار يحرس بيت غائب، طبيب يعالج تحت القصف، شاب ينقذ جاره، معلم يواصل التعليم، وامرأة تزرع زهرة في أرض الخوف.

 

زينب واحدة من هؤلاء.

 

وحكايتها، التي يرويها الأستاذ الكاتب هشام هباني، تفتح بابًا أوسع لتوثيق حكايات السودانيين الذين صنعوا، في صمت، أفعالًا استثنائية خلال الحرب.

 

*من بيت يدرك معنى التكافل*

 

سيرة السيدة زينب عبد الله الشفيع ليست الشجاعة دائمًا بندقية في ميدان، ولا صرخة تتردد في نشرات الأخبار، ولا موقفًا خاطفًا يلمع للحظة ثم ينطفئ.

 

أحيانًا تكون الشجاعة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا.

 

أن تظل واقفًا حين ينهار كل شيء من حولك.

 

أن تفتح باب بيتك لمن لا بيت له.

 

أن تطعم جائعًا وأنت لا تعرف من أين يأتي طعام الغد.

 

أن تحرس بيت غائب كما لو كان بيتك.

 

أن تعود إلى حي دمرته الحرب، فتكنس التراب، وتغلق أنبوب الماء المفتوح، وتزرع شجرة، ثم تقول بالفعل لا بالكلمات: سنعيش هنا من جديد.

 

بهذا المعنى تتجسد سيرة السيدة زينب عبد الله الشفيع.

 

امرأة سودانية عاشت حرب أبريل 2023 لا كمتفرجة على المأساة، إنما كامرأة وجدت نفسها في قلبها، بين ود نوباوي والثورة، بين الخوف والنزوح والعودة، وبين بيت الأسرة ومؤسسة الكهرباء وبيوت الغائبين.

 

وكلما ضاقت دائرة الحياة، وسعت هي دائرة المسؤولية.

 

نشأت زينب في بيئة كان فيها إكرام الضيف، وصلة الرحم، والسؤال عن الغائب، والوقوف إلى جانب المحتاج أفعالًا يومية لا شعارات.

 

درست في مدرسة ود نوباوي الابتدائية، ثم مدرسة أم درمان الثانوية، والتحقت بعد ذلك بجامعة أم درمان الإسلامية، حيث درست علم الاقتصاد.

 

ثم بدأت حياتها المهنية في قطاع الكهرباء، وتدرجت في العمل حتى أصبحت رئيسة لوحدة المشتريات في الشركة السودانية للتوليد الحراري.

 

عُرفت بالجدية والحزم وتحمل المسؤولية، لكن الحرب جاءت لتضع هذه الصفات في امتحان من نوع آخر.

 

فلم تعد المسؤولية مكتبًا ووظيفة وساعات عمل.

 

صارت أسرةً يجب حمايتها.

 

وجارًا يجب السؤال عنه.

 

ونازحًا يحتاج إلى طعام.

 

وبيتًا غائبًا أصحابه يحتاج إلى من يحفظه.

 

ومؤسسة وطنية تحتاج إلى من يعيد إليها القدرة على العمل.

 

*ود نوباوي… عندما يصبح البيت وطنًا صغيرًا*

 

عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، بقيت زينب في ود نوباوي خلال المرحلة الأولى.

 

كان معها عدد من الخالات والخال والأقارب، إلى جانب من لجأ إلى البيت من الأهل والجيران.

 

وفي زمن أصبحت فيه أصوات الرصاص والقصف جزءًا من اليوم، صار البيت نفسه ملاذًا.

 

كان الناس يتقاسمون ما توفر من الطعام، ويسألون بعضهم عن بعض:

 

من بقي؟

 

من غادر؟

 

من يحتاج إلى دواء؟

 

من يحتاج إلى طعام؟

 

ومن فقد الاتصال بأهله؟

 

لم تكن تلك مجرد أيام خوف.

 

كانت أيامًا تكشف معادن الناس.

 

وفي العيد، جُمِع ما توفر من الطعام واجتمع الشباب والأهل والجيران للإفطار.

 

لم تكن قيمة ذلك المشهد في الطعام.

 

كانت قيمته في الرسالة التي يحملها.

 

أن الحرب تستطيع أن تهدم جدارًا، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تهدم روح الجماعة.

 

وكان الاجتماع نفسه فعل مقاومة.

 

*الرحيل حين صار البقاء مخاطرة*

 

لكن الخطر ازداد.

 

بدأ السكان يغادرون، وخرج الشباب الذين كانوا يحرسون البيوت، وبقي كبار السن ضمن المجموعة.

 

عندها أصبح الرحيل ضرورة.

 

ذهبت زينب مع ابنها محمد سيرًا على الأقدام إلى حي العمدة بحثًا عن سيارة كبيرة تستطيع نقل أفراد الأسرة إلى الثورة، الحارة 38.

 

وكان إيجاد وسيلة نقل مغامرة في حد ذاتها.

 

كثير من السائقين كانوا يخشون دخول ود نوباوي جنوب بسبب القصف والدمار ونقاط الخطر.

 

لكن المحاولة استمرت حتى وُجدت وسيلة النقل.

 

خرجت المجموعة من حي يكاد يخلو من سكانه، وعبرت نقاط التفتيش والمتاريس، حتى وصلت إلى الثورة.

 

وكانت من بين آخر المجموعات التي غادرت المنطقة.

 

*الحارة 38… حين يصبح الجار أخ*

 

في بيت أخيها محمد عبد الله شفيع وجدت زينب مجتمعًا صغيرًا يقاوم الحرب بطريقته الخاصة.

 

كان أهل الحارة يطبخون ما توفر من عدس وبليلة وغيرها، ويوزعون الطعام على الأسر بحسب حاجتها.

 

وكانت إحدى المدارس تؤوي أسرًا نازحة.

 

فبدأت زينب وجارتها نجلاء إعداد الطعام، ومنه الأرز باللبن، وحمله إلى الأسر المقيمة في المدرسة.

 

وجُمعت الملابس من أهل الحارة.

 

غُسلت ورتبت.

 

ثم وُزعت على من خرجوا من مناطق القتال وليس معهم إلا ما يرتدونه.

 

وكانت أختها مريم عبد الله شفيع ترسل إليها الدقيق من الدامر، فتقسمه زينب ومن معها في أكياس صغيرة وتوزعه على المحتاجين.

 

ووُزع الأرز وغيره من المواد الغذائية.

 

وتعاون بعض أصحاب الدكاكين في تيسير احتياجات الناس.

 

وهكذا لم تعد المساعدة موقفًا عابرًا.

 

أصبحت أسلوب حياة.

 

*تحت القصف*

 

لكن الحرب لم تكن بعيدة عن الحارة 38.

 

تعرضت محطة صابرين والمناطق المحيطة بها للقصف، وسقطت دانات وأوقعت قتلى وجرحى.

 

وفي إحدى الليالي اشتد القصف حتى اضطر أفراد الأسرة إلى الاحتماء تحت الأسرة وفي الزوايا الأكثر أمانًا.

 

ورأت زينب ثلاث جنازات تمر أمامها.

 

ورأت وجوه الأسر التي فقدت أطفالًا وشبابًا.

 

ومن أكثر المشاهد التي بقيت في ذاكرتها سقوط دانة في موقع بمحطة صابرين.

 

مرت بالمكان بعد الحادث.

 

كان خاليًا تمامًا.

 

وظنت أن أحدًا لن يعود إليه.

 

لكنها رجعت بعد يومين.

 

فوجدت الباعة قد عادوا.

 

البصل.

 

الأرز.

 

العدس.

 

الخضروات.

 

والناس.

 

وكأن الحياة كانت تقول للحرب: لن يكون لك المكان كله.

 

هناك فهمت أن الصمود لا يعني ألا يخاف الإنسان.

 

إنما أن يعود إلى الحياة رغم الخوف.

 

*حديقة في زمن الموت*

 

في بيت أخيها وجدت زينب مساحة خالية في الحوش.

 

فزرعتها.

 

ملوخية.

 

بامية.

 

قرعًا.

 

خيارًا.

 

طماطم.

 

باذنجانًا.

 

ونجحت الزراعة رغم طبيعة أرض أم درمان الحجرية.

 

ثم بدأت تتقاسم المحصول مع الجيران.

 

لكنها لم تكتفِ بالخضروات.

 

زرعت الزهور أيضًا.

 

الجهنمية.

 

وزهور صباح الخير.

 

وألوانًا صفراء وحمراء ووردية.

 

كانت الخضروات توفر بعض الطعام.

 

أما الزهور فكانت توفر شيئًا آخر لا يقل أهمية:

 

الأمل.

 

أن تزرع زهرة في زمن الحرب يعني أنك تؤمن، رغم كل شيء، أن الغد سيأتي.

 

*ما تعلمته من الحرب*

 

علمتها الحرب الصبر والقناعة.

 

علمتها أن أشياء كثيرة نغضب من أجلها في الأيام العادية قد تصبح بلا قيمة حين يصبح الأمان نفسه نعمة.

 

خرجت من بيتها بأبسط الأشياء.

 

وعاشت أيامًا صار فيها وجود الأسرة وسلامة الناس أهم من أي ممتلكات.

 

تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يعيش بقليل.

 

لكن هناك أشياء لا بديل لها:

 

الأمان.

 

الصحة.

 

الأهل.

 

والإنسان الذي يقف إلى جوارك عندما تضيق الدنيا.

 

*العودة إلى ود نوباوي*

 

حين أصبح الدخول إلى ود نوباوي ممكنًا، لم تكن العودة نزهة.

 

كانت بتصاريح وتحت الحراسة، عبر طريق جرى تنظيفه وفتحه للأهالي لتفقد منازلهم.

 

كان المشهد موجعًا.

 

فوارغ رصاص.

 

عربات محطمة.

 

بيوت محترقة.

 

أنقاض.

 

وشوارع حملت آثار حرب لم تعرف الرحمة.

 

مشت زينب مع ابنها بين البيوت، تحتاج إلى وقت حتى تستوعب أن هذا الخراب هو الحي الذي ولدت وعاشت فيه.

 

لكنها لم تستسلم للصدمة.

 

عاد الشباب.

 

بدأوا تنظيف البيوت والشوارع.

 

رفع الأنقاض.

 

تفقد منازل الغائبين.

 

وحين عادت المياه، دخلوا البيوت المهجورة لتفقد الشبكات وإغلاق مصادر المياه المفتوحة حتى لا تغرق المنازل.

 

وأُقيمت تكية في منزل السيدة مرضية عبد الماجد المقابل لبيت زينب، ليجد القادمون لتنظيف بيوتهم طعامًا وشرابًا ومكانًا للراحة.

 

وفي البداية كان كثيرون يأتون صباحًا ويغادرون بعد العصر.

 

أما زينب وابنها محمد يوسف فبقيا.

 

وكان بقاؤهما نفسه إعلانًا بأن العودة بدأت.

 

ثم فتح أول دكان.

 

وعادت المياه.

 

ثم الكهرباء.

 

ثم السكان.

 

ثم المدارس والجامعات والداخليات.

 

وبدأت المنطقة تستعيد نبضها.

 

*عودة لا تكتفي بالبيت*

 

لم تكن عودة زينب إلى ود نوباوي عودة إلى منزل فحسب.

 

واصلت تفقد الناس وتوزيع المساعدات التي يرسلها أفراد الأسرة والأهل من الخارج.

 

وكانت هناك تكية في مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي، تصل إليها الأطعمة والبليلة واللقيمات والأرز والذبائح.

 

وكان سودانيون في الخارج يرسلون المال لشراء الذبائح وإطعام الناس.

 

وامتد الدعم إلى الخلوة وطلاب القرآن الكريم.

 

كانت العودة بالنسبة إليها إعادة وصل ما قطعته الحرب.

 

*في الأحزان كما في الأفراح*

 

خلال الحرب وبعدها، كثرت الوفيات.

 

وكانت زينب من أوائل من يقفون إلى جانب أسر المتوفين.

 

تؤدي الواجب.

 

تواسي.

 

وتبقى حيث يحتاجها الناس.

 

ثم بدأت الأفراح تعود بدورها.

 

عادت الزيجات.

 

ساعدت أسرًا من العائلة في إقامة زيجات أبنائها.

 

كانت الأعراس بسيطة.

 

لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا.

 

فبعد شهور من الموت، أصبحت ابتسامة واحدة فعل انتصار.

 

من إعادة الحي إلى إعادة الكهرباء

 

في سبتمبر 2025 طُلب من زينب العودة إلى عملها في الشركة السودانية للتوليد الحراري.

 

وكانت من بين عدد قليل من الموظفين الموجودين في الخرطوم.

 

وبحكم مسؤوليتها رئيسةً لوحدة المشتريات، كان وجودها ضروريًا في مرحلة احتاجت فيها المؤسسة إلى إعادة تجهيز المكاتب وتوفير المواد والمعدات اللازمة لإصلاح ما لحق بمنشآت الكهرباء من دمار ونهب وحريق.

 

وكانت الرحلة اليومية إلى العمل تكشف حجم الكارثة.

 

من ود نوباوي إلى محطة الشهداء.

 

بحري والحلفايا.

 

شمبات والصافية.

 

وشارع النيل.

 

مناطق شبه خالية.

 

عربات محترقة.

 

أشجار تسد الطرق.

 

أعمدة كهرباء ساقطة.

 

مدينة تبدو أحيانًا كأن الحياة انسحبت منها.

 

ثم بدأت التفاصيل الصغيرة تتغير.

 

عمال نظافة.

 

طرق تفتح.

 

سكان يعودون.

 

سيارات تظهر.

 

وكان منظر عدة سيارات عند مدخل كوبري أم درمان كافيًا ليمنحها فرحًا حقيقيًا.

 

فبالنسبة إلى من رأى المدينة خالية، كانت السيارات إعلانًا بسيطًا:

 

الخرطوم تعود.

 

حين يضيء المصباح

 

في المؤسسة نفسها، بدأت العودة من فريق صغير.

 

ثم عاد العاملون من بورتسودان.

 

وأسهمت وحدة المشتريات في توفير احتياجات المحطات وفرق التشغيل والصيانة، من مستلزمات العمل والسكن والإعاشة.

 

وتتحدث زينب باعتزاز عن المهندسين والفنيين والإداريين والعمال الذين عادوا بحماس لإعادة المحطات إلى الخدمة رغم نقص المعدات وصعوبة الظروف.

 

وكانت المجتمعات المحيطة ببعض المحطات تقدم للعاملين الطعام.

 

صورة أخرى من صور التكافل السوداني.

 

وبالنسبة إلى زينب، لم تكن الكهرباء مجرد تيار يعود إلى الأسلاك.

 

حين يضيء مصباح في بيت ظل مظلمًا شهورًا، فإن ذلك البيت يقول:

 

نحن هنا.

 

وتقول المدينة كلها:

 

لم أمت.

 

*حارسة بيوت الغائبين*

 

إلى جانب عملها الرسمي، تولت زينب مهمة لم يصدر بها قرار ولم تتقاضَ عنها راتبًا.

 

رعاية بيوت أفراد الأسرة الذين غادروا البلاد.

 

كان كثير منهم خارج السودان، وخصوصًا في مصر.

 

فأخذت تتفقد منازلهم.

 

تدخل البيت.

 

تطمئن إلى حاله.

 

تخبر أصحابه بما أصابه.

 

تتابع الإصلاحات.

 

وتساعد بعضهم في تأجير المنازل واستلام الإيجار وإرساله إليهم.

 

وصارت موضع ثقة لمن يريد إرسال مال أو مساعدة لأسرة محتاجة.

 

وهذه ربما من أنبل الوظائف التي يمكن أن يؤديها إنسان في زمن الحرب:

 

حفظ الأمانة.

 

*لماذا زينب الشجاعة؟*

 

لأن الشجاعة ليست دائمًا في من يواجه الرصاص.

 

أحيانًا تكون فيمن يحمي الأسرة من الجوع.

 

وفيمن يطعم نازحًا.

 

وفيمن يجمع ملابس لمن خرج من بيته بلا شيء.

 

وفيمن يزرع الخضروات في أرض الخوف.

 

ويزرع الزهور كي لا ينتصر القبح.

 

وفيمن يعود إلى حي مدمر بدل أن يهرب من ذكرياته.

 

وفيمن يحفظ بيوت الغائبين كما يحفظ بيته.

 

وفيمن يعود إلى عمله ليشارك في إعادة تشغيل الكهرباء، أحد أهم شرايين الحياة.

 

زينب عبد الله الشفيع لم تصنع بطولة واحدة.

 

لقد صنعت سلسلة طويلة من الأعمال الصغيرة.

 

وحين تجتمع هذه الأعمال، يصبح اسمها شيئًا أكبر من مجرد تفاصيل يومية.

 

يصبح:

 

سيرة شجاعة.

 

رأت ود نوباوي وهي تكاد تخلو من أهلها.

 

ثم رأت الخطوات تعود إلى شوارعها.

 

ورأت الخرطوم وهي مدينة من الصمت والخراب.

 

ثم شاهدت السيارات تعود إلى جسورها.

 

والطلاب إلى جامعاتهم.

 

والباعة إلى أسواقهم.

 

والكهرباء إلى بيوتها.

 

وكانت هي واحدة من أولئك الذين لم ينتظروا الحياة حتى تعود وحدها.

 

بل خرجوا لاستعادتها.

 

زينب عبد الله الشفيع ليست شجاعة لأنها لم تعرف الخوف.

 

بل لأنها واصلت فعل الخير رغم الخوف.

 

واصلت خدمة الناس رغم الخطر.

 

واصلت الزراعة رغم القصف.

 

واصلت العودة رغم الخراب.

 

وواصلت الإيمان بأن السودان، مهما أثقلته الحرب، قادر على أن يقف من جديد.

 

وهذه ربما أجمل صور الشجاعة:

 

أن يحيط بك الخراب، ثم تقول بالفعل لا بالكلام: لا مستحيل أمام من أراد الحياة.

 

*نداء للتوثيق قبل أن تضيع الحكايات*

 

وحكاية زينب ليست بالتأكيد الحكاية الوحيدة.

 

فهذه الحرب، بكل ما حملته من موت ودمار ونزوح، كشفت أيضًا عن آلاف القصص التي تستحق أن تُروى:

 

أم أنقذت أطفالًا.

 

شاب خاطر بحياته لإنقاذ جار.

 

طبيب ظل يعالج الجرحى تحت القصف.

 

سائق نقل الناس من مناطق الموت.

 

امرأة أطعمت حيًا كاملًا.

 

جار حرس بيوت الغائبين.

 

معلم واصل تعليم الأطفال في النزوح.

 

متطوع حمل الدواء والطعام عبر طرق الخطر.

 

وربما بطل مجهول فعل عملًا عظيمًا ثم عاد إلى حياته ولم يعرف عنه أحد شيئًا.

 

هذه القصص يجب ألا تضيع.

 

فالأمم لا تحفظ تاريخها فقط بسِيَر القادة والمشاهير، بل أيضًا بسِيَر الناس العاديين عندما يصنعون أفعالًا استثنائية.

 

لذلك أناشد كل من لديه قصة بطولة أو شجاعة أو شهامة أو تضحية أو تكافل إنساني حدثت خلال هذه الحرب وتستحق التوثيق ألا يتردد في إرسالها إليّ، ومعها ما يتوفر من معلومات وصور وشهادات.

 

سأنشر هذه القصص وفاءً لأصحابها وتكريمًا لهم، وحتى يعرف السودانيون والعالم أن وسط هذا الخراب ظل هناك أناس يحرسون جوهر السودان الجميل.

 

إن التوثيق ليس تكريمًا لصاحب القصة وحده.

 

إنه أيضًا حفظ لذاكرة وطن، وأخذ الدروس والعبر، وتعليم للأجيال القادمة بأن الإنسان يستطيع حتى في أحلك الظروف أن يختار الشجاعة بدل الخوف، والنجدة بدل اللامبالاة، والعطاء بدل الأنانية.

 

فلنكتب هذه القصص قبل أن تضيع.

 

ولنمنح أبطالها أسماءهم المستحقة في ذاكرة السودان.

 

فربما يكون بيننا آلاف من أمثال زينب الشجاعة… ينتظرون فقط من يروي حكاياتهم.

 

يذكر ان السيدة زينب تنتمي لأسرة آل الشفيع المعروفة بالعلم والدين والحسب.*

 

*والدها* الاستلذ المربي الشيخ عبدالله محمد الشفيع، من رواد التعليم في السودان واحد مؤسسي مدارس كرري الخاصة (الشعبي سابقاً).

 

*وأعمامها:*

– *القاضي أحمد محمد الشفيع:* من أعلام أم درمان في الفقه وعلوم القرآن، نشر الإسلام في جبال النوبة وكادوقلي في الخمسينيات، وله كرسي تفسير بجامع أم درمان الكبير، وإمام مسجد مجذوب مدثر الحجاز.

– *الشيخ إبراهيم محمد الشفيع:* له خلوة ومسيد بالعزوزاب لتحفيظ القرآن.

 

ثلاثتهم خريجو معهد أم درمان العلمي وحفظة للقرآن منذ الصغر، جمعوا بين الوظيفة والدعوة.

 

أما والدتها فهي السيدة أم الحسن حسن شريف..

حلقة الوصل بين الأجيال*

وُلدت بأم درمان في منزل جدتها لأبيها السيدة زينب بنت الإمام المهدي، وتربت في حوشها المعروف بود نوباوي “حوش السيدة زينب”، فتأثرت بأخلاقها وكرمها.

 

تلقت تعليمها بود نوباوي وأصبحت من أوائل مدرسات التغذية، عملت في ود البخيت والجريف والخرطوم وأم درمان وكرري وغيرها. واهتمت بمحو الأمية، فدرّست النساء كبيرات السن القراءة والكتابة والقرآن بمدرسة الإمام عبد الرحمن المهدي أمام منزل الأسرة، وعُرفت بطيبتها وكرمها وحنكتها.

 

كانت تروي لأبنائها ذكرياتها مع جدتها زينب بنت المهدي، خاصة كرمها وفتحها بيتها للأقارب والغرباء، ورعايتها للأسرة بعد محنة الشكابة وانتقالهم من جزيرة الفيل إلى ود نوباوي. فلم تكن سيرتها مجرد حكايات، بل تحولت إلى منهج أسري حي: فتح البيت، وإطعام الناس، والسؤال عن الغائب، ورعاية الضعيف.

 

وقد نهلت ابنتها *السيدة زينب عبدالله الشفيع* من هذه المدرسة، فهي تحمل نفس الاسم، وورثت عن والدتها حب التعليم والعمل وخدمة الناس وصلة الرحم والكرم وحسن المعاملة.

 

وفي سنوات الحرب، وجدت زينب نفسها تؤدي نفس الأدوار دون تخطيط: تفتح بيتها، وتجمع الناس، وتطعمهم، وترعى المحتاج، وتحمي بيوت الغائبين.

 

وهكذا انتقلت قيم السيدة زينب بنت الإمام المهدي إلى حفيدتها أم الحسن، ثم إلى ابنتها زينب، كمنهج حي في الكرم والتعليم وخدمة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى