
- بدون فواصل
بقلم: رشا أحمد البشير
من يملك مفتاح الحوار السوداني؟
المشكلة ليست في أن السودان يتحاور.
المشكلة في من يملك حق تحديد شكل هذا الحوار واتجاهه ومآلاته.
فالحوار السوداني يأتي في لحظة شديدة الحساسية. الحرب لم تتوقف بعد والسياسة لم تستقر والبلاد ما زالت تبحث عن طريق يعيد إليها الدولة ويفتح أمامها أفقًا سياسيًا واضحًا. ولذلك فإن الحوار في هذه اللحظة ليس مناسبة سياسية عابرة تنتهي ببيان وتوصيات. إنه جزء من الصراع على شكل المرحلة القادمة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية السؤال:
من يملك مفتاح الحوار السوداني؟
لأن من يملك مفتاح العملية السياسية لا يملك فقط القدرة على فتح الباب. بل يستطيع التأثير في من يدخل ومن يتحدث وما الذي يُطرح وما الذي يصبح أولوية وما الذي يُدفع إلى الهامش.
وهذه ليست تفاصيل تنظيمية.
إنها صناعة مبكرة لشكل المرحلة المقبلة.
فالذي يضع إطار الحوار يضع جزءًا من قواعده. والذي يحدد أجندته يحدد مساحة النقاش. والذي يحدد طبيعة المشاركة يساهم في تحديد القوى التي سيكون لها صوت في صياغة المستقبل.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يبدأ الصراع على مستقبل السودان قبل أن تبدأ الطاولة أعمالها.
كل قوة سياسية من حقها أن تسعى إلى المشاركة وأن تدافع عن رؤيتها وأن تتمسك بمواقفها. هذا هو العمل السياسي.
لكن العمل السياسي يتجاوز حدوده عندما تتحول الرغبة في المشاركة إلى رغبة في امتلاك الحوار نفسه.
وهنا يجب أن يكون الأمر واضحًا:
لا يملك حزب ولا تحالف ولا قوة سياسية حق منح نفسه سلطة إقصاء قوة سودانية من حوار يفترض أنه حوار السودان.
يمكن الاختلاف.
يمكن الاعتراض.
يمكن نقد المواقف.
يمكن رفض السياسات.
ويمكن تحميل القوى السياسية مسؤولية ما قامت به أو ما أخفقت فيه.
لكن الاختلاف السياسي لا يمنح أحدًا حق مصادرة حق الآخر في المشاركة السياسية.
وحتى عندما تكون هناك معايير للمشاركة فإنها يجب أن تكون معلنة وواضحة وعادلة وتنطبق على الجميع.
أما أن تُصاغ المعايير بحيث تستهدف خصمًا بعينه فإنها تفقد معناها السياسي وتتحول إلى إقصاء يرتدي ثوب التنظيم.
والحوار الذي يبدأ بهذه الطريقة يحمل أزمته معه قبل أن يبدأ.
لأن السودان لا يحتاج إلى حوار تكون أولى مهامه فرز السودانيين بين من يستحق ومن لا يستحق.
يحتاج إلى حوار يضع الخلافات أمام أصحابها ويمنحهم مساحة سياسية لمواجهتها بدل أن تتحول الخلافات إلى أسباب جديدة للإقصاء.
فالحجة لا تحتاج إلى إقصاء خصمها.
والموقف القوي لا يخشى النقاش.
والرؤية التي تملك ما يكفي من القوة والإقناع تستطيع أن تدخل القاعة وتدافع عن نفسها بدل أن تغلق الباب في وجه الآخرين.
السودان أكبر من القوى التي تتنافس على تمثيله.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى حوار يضع الدولة قبل السلطة.
ويضع القواعد قبل المحاصصة.
ويضع المستقبل قبل حسابات الماضي.
فالبلاد لا تعاني نقصًا في الأسماء السياسية بقدر ما تعاني أزمة في القواعد التي تحكم العمل السياسي.
وهنا لا بد من قواعد واضحة تستند إليها العملية السياسية ويستطيع السودانيون جميعًا الاحتكام إليها.
هذه هي النقلة التي يجب أن يصنعها الحوار.
فإذا دخلت القوى السياسية إلى الحوار بحثًا عن حصتها في السلطة فقط فلن نكون أمام تأسيس سياسي جديد.
سنكون أمام إعادة توزيع للخلاف القديم.
وإذا دخلت وهي تبحث عن إقصاء خصومها فلن نكون أمام حوار.
سنكون أمام صراع سياسي بوسائل أخرى.
أما إذا دخلت وهي تدرك أن السودان أكبر من الجميع وأن المرحلة القادمة تحتاج إلى قواعد يتساوى أمامها المختلفون فهنا يمكن للحوار أن يؤدي وظيفته الحقيقية.
وظيفته ليست أن يجعل السودانيين متفقين.
وظيفته أن يجعل اختلافهم قابلًا للإدارة.
وهذا هو جوهر المسألة.
وهنا يصبح الحديث عن الحوار السوداني أعمق من مجرد اجتماع أطراف سودانية حول طاولة واحدة.
فالحوار السوداني الحقيقي هو الذي يفتح مساحة للاختلاف ويضع الجميع أمام مسؤولية البحث عن مخرج تكون فيه مصلحة الدولة فوق حسابات القوى السياسية.
أن يكون القرار السياسي نابعًا من الداخل.
وأن تكون الطاولة مساحة للنقاش لا منصة لإصدار الأحكام على الآخرين.
وأن تكون المشاركة حقًا سياسيًا تحكمه قواعد معلنة لا موازين النفوذ
فالمرحلة المقبلة لا تحتمل إعادة إنتاج السياسة بالطريقة التي أوصلت البلاد إلى أزماتها.
لا تحتمل أن تكون الأولوية لمن سيحصل على الموقع الأكبر.
الغاية ليست أن يخرج طرف منتصرًا على طرف آخر.
الغاية أن تخرج الدولة بقواعد أقوى من الأشخاص وأبقى من التحالفات.
أن تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص.
وأن يصبح الاختلاف السياسي ممكنًا دون أن يتحول إلى تهديد للدولة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي حوار.
ليس عدد الذين جلسوا حول الطاولة.
بل ما إذا كانت الطاولة قادرة على استيعاب الاختلاف دون أن تتحول إلى ساحة جديدة للصراع.
وهنا تعود صورة المفتاح.
فمن يملك مفتاح الحوار لا يملك مجرد باب يفتحه أو يغلقه. بل يملك قدرة التأثير في الطريق الذي قد تسلكه البلاد.
لكن السودان ليس بابًا تملكه جهة ولا مستقبلًا يُسلَّم لمفتاح واحد.
فلا حزب ولا تحالف ولا قوة سياسية يملك حق أن ينصب نفسه حارسًا على مستقبل وطن كامل.
والحوار السوداني لا يصبح سودانيًا بمجرد أن يحمل هذا الاسم.
يصبح سودانيًا عندما يكون السودان نفسه حاضرًا في قواعده وغاياته ومخرجاته.
ولهذا فإن القضية ليست من يجلس على الطاولة أكثر من غيره.
القضية ألا يتحول مفتاح الحوار إلى مفتاح للسلطة على مستقبل السودان.
فإذا كان الحوار سودانيًا فعلًا فلا بد أن يكون طريقه مفتوحًا أمام الاختلاف وأن تكون قواعده واضحة وأن تكون الدولة غايته لا غنيمة الصراع السياسي.
عندها فقط لا يعود السؤال: من يملك مفتاح الحوار؟
بل يصبح السؤال الأهم:
هل نستخدم هذا المفتاح لفتح باب الدولة أم لإعادة فتح أبواب الأزمة؟