مقالات الرأي
أخر الأخبار

استرداد الكرقل: ملحمة بطولية لفك عزلة كادقلي بقلم: زكي شيكو

استرداد الكرقل: ملحمة بطولية لفك عزلة كادقلي
بقلم: زكي شيكو

لم تكن معركة استرداد الكرقل مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت فصلاً من فصول المجد، سطّره جنود القوات المسلحة بدمائهم الطاهرة، في ملحمة تضاف إلى سجل التضحيات الوطنية التي سيحفظها التاريخ بحروف من نور. لقد تجلت في هذه المعركة أسمى معاني البطولة والفداء، إذ لم يكن الهدف مجرد استعادة بقعة جغرافية، بل كان استردادًا للكرامة الوطنية، وكسرًا للحصار الذي فُرض على مدينة كادقلي، القلب النابض لولاية جنوب كردفان.

البعد العسكري: معركة لا تقبل التراجع

في ساحة القتال، كان الرجال على العهد، مدركين أن استرداد الكرقل ليس مجرد مهمة عسكرية، بل هو واجب وطني يحدد مصير المدينة وأهلها. لقد واجهوا عدوًا تحصّن بالمكر والخيانة، واتخذ من المواطنين دروعًا بشرية، غير أن عزيمة الجنود لم تهتز، فكانت العمليات العسكرية دقيقة ومدروسة، توازن بين الحسم الميداني والحفاظ على أرواح الأبرياء. لم تكن المعركة متكافئة من حيث الظروف، لكن الإرادة تفوقت على العدة، فانكسرت شوكة العدو، ورفرف علم السودان عاليًا فوق تراب الكرقل.

البعد السياسي: كادقلي بين العزلة والتحرير

إن فك العزلة عن كادقلي لم يكن مجرد تحرير مدينة، بل كان استعادة لسيادة الدولة وهيبتها في بقعة جغرافية حاولت قوى التمرد جعلها معزولة عن الوطن. فإعادة السيطرة على الكرقل تحمل دلالات سياسية عميقة، تؤكد أن السودان لا يمكن أن يُختزل في جيوب تسيطر عليها قوى خارجة عن الشرعية. كما أن هذا الانتصار يعزز موقف الدولة في المفاوضات، حيث يبرهن أن منطق القوة لا يزال حاضرًا، وأن الأمن والاستقرار لا يُمنحان عبر التنازلات، بل يُنتزعان بتضحيات الأبطال.

البعد الاجتماعي: معاناة المدنيين وأمل العودة

لقد دفع المدنيون ثمنًا باهظًا جراء سيطرة التمرد على الكرقل، حيث عانوا من نقص الغذاء والدواء وانقطاع سبل الحياة الكريمة. وكانوا بين مطرقة الحصار وسندان القمع، يترقبون لحظة التحرير كما يترقب الظمآن قطرة الماء. ومع استعادة الكرقل، تنفس أهل كادقلي الصعداء، فُتحت طرق الإمداد، وعادت عجلة الحياة إلى الدوران، وإن كانت الجراح لا تزال نازفة. اليوم، يحتاج المواطنون إلى جهد مضاعف لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإلى مبادرات تعيد الثقة في أن الأمن والاستقرار ليسا مجرد شعارات، بل واقع يمكن تحقيقه بإرادة الدولة وتكاتف المجتمع.

البعد الإنساني: جنود صنعوا التاريخ بدمائهم

وراء كل انتصار عظيم، هناك رجال حملوا أرواحهم على أكفهم، وساروا إلى ساحات القتال مدركين أن الأوطان لا تُبنى إلا بتضحيات أبنائها. بعضهم عاد محمولًا على الأكتاف، وبعضهم يرقد على أسرة المستشفيات، يحمل في جسده آثار المعركة، لكنها آثار يراها وسامًا لا جرحًا. هؤلاء الأبطال لم يطلبوا مجدًا شخصيًا، بل سعوا ليكتب التاريخ أسماءهم في سجل الخالدين.

خاتمة: رسالة إلى من يقرأ المستقبل

إن معركة استرداد الكرقل ليست مجرد حدث في الماضي، بل هي رسالة للمستقبل، تؤكد أن السودان لن يُترك فريسة لمشاريع التقسيم والفوضى. اليوم، ونحن نكتب عن هذه اللحظة التاريخية، علينا أن ندرك أن النصر ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لمسؤولية أكبر: مسؤولية البناء، مسؤولية الحفاظ على ما تحقق، ومسؤولية صون دماء الشهداء من أن تذهب سدى.

سيذكر التاريخ أن هناك رجالًا وقفوا عندما تخاذل الآخرون، وأن هناك مدينة خرجت من عزلتها لأنها لم تكن وحدها، بل كان هناك جيش، شعب، وأمة رفضت أن تُترك مدنها للضياع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى