مقالات الرأي
أخر الأخبار

مصر والسودان… الأخوّة حين تُختبر سياسيًا

مصر والسودان… الأخوّة حين تُختبر سياسيًا

إدريس هشابه

ليست علاقة مصر والسودان شعارًا عاطفيًا يُستدعى عند اللزوم، ولا مقولة إنشائية للاستهلاك الإعلامي. هي علاقة دولة واحدة بامتدادين، وشعب واحد قُسّم بالجغرافيا ولم تفصله الذاكرة. حقيقة راسخة لا تحتاج إلى بيانات تأكيد، ولا تحتمل المساومة في لحظات الاختبار.
اليوم، تقف مصر رسميًا إلى جانب السودان في محنته القاسية، موقف يُحسب لها سياسيًا وأخلاقيًا، كما يفتح الشعب المصري بيته وقلبه لعشرات الآلاف من السودانيين الهاربين من جحيم الحرب. هذا المشهد الإنساني لا يمكن إنكاره ولا التقليل من قيمته، وهو امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التداخل والمصير المشترك.
لكن السياسة، بخلاف العاطفة، تُقاس بالأثر لا بالنية. وهنا يبرز سؤال مشروع، لا يطعن في الأخوّة ولا ينتقص من المواقف: كيف تُفهم صعوبة الحصول على تأشيرة دخول إلى مصر، والرسوم الباهظة المفروضة بالدولار، في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ كوارثه الإنسانية؟
المفارقة أن الغالبية الساحقة من طالبي التأشيرة ليسوا لاجئين محتملين ولا باحثين عن فرص عمل، بل آباء وأمهات، وكبار سن، وسودانيون تقطعت بهم السبل خارج بلادهم، لا يطلبون أكثر من زيارة مؤقتة، أيام معدودة، للقاء أبنائهم الذين فرّقتهم الحرب. غير أن الإجراءات المعقدة والتكلفة المرتفعة حولت هذا الحق الإنساني إلى امتياز لا يملكه إلا القادرون.
السودانيون، وهم يطرحون هذا الملف، لا يفعلون ذلك من موقع الاتهام، بل من منطلق الشراكة. فالسودان الذي ساند مصر في حروبها المصيرية، وفتح أرضه وسماءه لمعركة الكرامة ضد العدوان الإسرائيلي، لم يكن يومًا يبحث عن مقابل، لكنه اليوم يتوقع من الأخ الأكبر تفهمًا استثنائيًا لظرف استثنائي.
القضية هنا ليست مالية فحسب، بل سياسية بامتياز. لأن الرسائل الحقيقية بين الدول لا تُرسل فقط عبر المواقف الكبرى، بل عبر التفاصيل التي تمس حياة الناس مباشرة. تخفيض رسوم التأشيرات، أو استثناء الحالات الإنسانية وكبار السن، ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل قرار سياسي يحمل دلالة عميقة على فهم معنى “المصير المشترك” حين يتحول إلى عبء على أحد الطرفين.
في زمن الحرب، لا يُقاس الدعم فقط بالتصريحات ولا بالتحالفات، بل بمدى القدرة على تخفيف الألم اليومي، ولمّ شتات الأسر، وفتح نافذة أمل صغيرة في جدار الغربة. ومصر، بثقلها الإقليمي ومكانتها التاريخية، قادرة على أن تجعل من هذا الملف رسالة أخوّة عملية، لا مجرد عنوان جميل.
فالأخوّة الحقيقية، كما السياسة الرشيدة، تُختبر حين تكون الكلفة حاضرة، والقرار شجاعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى