الفصل الرابع: التحول… وكل ما فعلته كان من أجلها قبل أن أكون جنديًا… كنت قائدًا.

الفصل الرابع: التحول… وكل ما فعلته كان من أجلها
قبل أن أكون جنديًا…
كنت قائدًا.
كنت أول طالب في الصف الأول الثانوي يُنتخب رئيسًا لاتحاد طلاب المدرسة.
حدثٌ لم يكن مألوفًا،
لكنني منذ صغري كنت أشعر أن داخلي مسؤولية أكبر من عمري.
ثم جاءت جامعة النيلين…
وهناك بدأ النضج الحقيقي.
في الجامعة لم أتعلم فقط من القاعات،
بل من السودان كله.
كانت الجامعة بيئة جامعة لكل أبناء الوطن،
من الشمال والشرق والغرب والجنوب،
ومن جبال النوبة التي كانت تنزف حربًا وألمًا.
بدأ وعيي يتسع.
بدأت أفهم ما يدور حولنا.
كيف تُصنع الحروب؟
من يشعلها؟
ومن يدفع ثمنها؟
ولماذا دائمًا البسطاء هم من يسقطون أولًا؟
كنت أقرأ… كتابًا وراء كتاب.
أبحث عن الفهم.
عن الإدراك.
عن تفسير لما يحدث في بلادنا.
لكن رغم كل ذلك،
لم تكن الحياة سهلة.
كنا نعمل ونحن طلاب.
أحيانًا نشحن الحافلات بالركاب لنساعد أنفسنا.
نبحث عن مصروف بسيط لنكمل يومنا.
الخرطوم علّمتني الكثير.
وسّعت أفقي،
وجعلتني أفهم المجتمع بكل تنوعه.
ورغم كل التجارب…
كان هناك سبب واحد يجعلني أواصل:
أمي.
فاطمة عثمان كنده.
لم يكن النيلين هو من دفعني،
ولا السياسة،
ولا حتى الطموح الشخصي.
كل ما فعلته… كان من أجلها.
كانت هي نقطة ضعفي الوحيدة،
وقوتي في الوقت نفسه.
في يوم21 شهر 7…2020
بعد عودتها من رحلة علاج في القاهرة،
أصيبت بالسرطان.
وفي الخرطوم…
فقدتها.
حمدت الله أنني حملتها على كتفي،
ودفنتها بيدي.
هذا شرف لا يناله كثيرون.
كان الناس يقولون لها:
“هذا الولد لم ينفعك.”
فكانت ترد بثقة:
“لو اشتغل ورنيش أو كر، بشتري لي كفن وبشيل عن قريبي.”
تلك الكلمات ما زالت راسخة في ذهني.
وكانت تقول لي دائمًا:
“لا تخلي سروالك واسع.”
أي كن ثابتًا…
صدرك واثق…
مرفوع الرأس.
تلك المرأة هي التي غيّرت مجرى حياتي.
كل نجاح،
كل اجتهاد،
كل خطوة تقدمتها…
كانت لها هي فقط.
أحيانًا أتمنى لو كانت معي اليوم،
لترى أين وصلت.
لكنني أؤمن أنها ترى…
بطريقتها.
وإن كنت قد اخترت الطريق الأصعب،
فلأنني تعلمت منها
أن الرجل لا يُقاس بما يملك،
بل بما يصبر عليه.

