مقالات الرأي
أخر الأخبار

التعديلات الوزارية… هل يُرمِّم التغيير ما تآكل من الثقة؟ بقلم :إدريس هشابه

التعديلات الوزارية… هل يُرمِّم التغيير ما تآكل من الثقة؟

بقلم :إدريس هشابه

ضجّ الفضاء العام خلال الأيام الماضية بأحاديث متواترة عن تعديلات وزارية وشيكة، تُبشّر—في ظاهرها—بمحاولة جديدة لإعادة ترتيب المشهد التنفيذي. غير أن اللافت هذه المرة ليس حجم التسريبات، بل برود التفاعل الشعبي معها؛ إذ لم يعد المواطن يتابع هذه الأخبار بذات الشغف الذي كان يحيط بما سُمِّي يوماً بـ”حكومة الأمل”. وكأن التجربة، بما حملته من تعثرات، أطفأت جذوة الانتظار، ودفعت الناس إلى مربّع الشك.
حين تشكّلت تلك الحكومة، آثر كثيرون—ومنهم كاتب هذه السطور—إمساك الأقلام، لا تردداً بل إفساحاً للمجال، ومنحاً لفرصة عادلة تُبنى عليها التوقعات وتُقاس بها النتائج. غير أن ما تكشّف لاحقاً من قرارات متعجلة، وأخرى غامضة الدوافع، أعاد فتح باب الأسئلة على مصراعيه، دون أن يجد الشارع إجاباتٍ تشفي الغليل أو حتى تُخفف من وطأة الحيرة.
ومن أبرز هذه الوقائع، إقالة الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة، سامي الرشيد، ابن إقليم النيل الأزرق، في خطوة جاءت—كما يراها كثيرون—على طريقة “أم قمتي”، دون إعلان رسمي عبر وكالة السودان للأنباء، على خلاف ما درجت عليه مؤسسات الدولة في قرارات مماثلة. ولم تقف علامات الاستفهام عند هذا الحد، بل امتدت إلى تعيين خلفٍ له، لم يلبث أن غادر موقعه تحت وطأة تداخل الصلاحيات مع وزير الشؤون الدينية والأوقاف، في مشهد يعكس اضطراباً إدارياً لا يليق بحساسية الملف وأهميته.
وفي سياقٍ موازٍ، يظل أداء بعض الوزراء مثار جدلٍ واسع، لا سيما في ظل غياب الشفافية حول تحركاتهم ومهامهم، وتضارب الأولويات بين ما هو مطلوب وما يُمارَس على أرض الواقع. فكيف يمكن لحكومة تُعلّق آمالاً عريضة على عاتقها، أن تُقنع مواطنيها بجدية الإصلاح، بينما تفتقر إلى أبسط أدوات الانضباط المؤسسي؟
ولعل ما يزيد من حدة التساؤلات، هو حديث رئيس الوزراء نفسه—في وقت سابق—عن إخضاع وزراء حكومته لتقييم دوري كل ثلاثة أشهر. غير أن مضي أكثر من ستة أشهر دون أي إعلان لنتائج تلك التقييمات، أو حتى الإشارة إلى إجرائها، يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك، ويجعل الوعود أقرب إلى الشعارات منها إلى السياسات القابلة للقياس والمساءلة.
إن التعديلات الوزارية—في جوهرها—ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لتصحيح المسار. لكنها تفقد معناها إن لم تُبنَ على تقييم موضوعي شفاف، يضع الكفاءة معياراً، ويُخضع الأداء للمحاسبة، بعيداً عن مراكز القوى وشبكات النفوذ التي كثيراً ما تعيد إنتاج الأزمات بدلاً من حلها.
ولولا الجهود التي بذلتها بعض اللجان، وعلى رأسها لجنة الفريق إبراهيم جابر، والتي اصطدمت—كما يُقال—بجدران صلبة داخل مراكز القرار، لربما كانت الحصيلة أكثر قتامة. ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يزال قائماً: هل تملك الحكومة الإرادة الكافية لمواجهة اختلالاتها من الداخل، أم أن التعديلات القادمة ستكون مجرد إعادة توزيع للأدوار دون مساسٍ بجوهر الأزمة؟
في نهاية المطاف، لا يبحث المواطن عن تغيير الأسماء بقدر ما يتطلع إلى تغيير السياسات، ولا يعنيه من يجلس على الكرسي بقدر ما يعنيه ما يُنجَز على الأرض. فهل تُدرك الحكومة أن الثقة—إذا تآكلت—لا يُصلحها مجرد تبديل الوجوه، بل يعيد بناءها صدق الأداء ووضوح الرؤية؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر الإجابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى