
شرق النيل… بين هاجس الخلايا النائمة وواجب الطمأنينة
بقلم :إدريس هشابه
تتزايد المخاوف في منطقة شرق النيل مع تواتر أخبار السرقات الليلية، وحوادث حرق السيارات وممتلكات المواطنين، وهي حوادث أعادت إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول طبيعة ما يجري: هل هي جرائم جنائية عاديه، أم أن هناك خيطًا خفيًا تقوده خلايا نائمة تسعى إلى زعزعة الاستقرار وبث الرعب في نفوس السكان؟
ما يعزز هذه المخاوف أن هذه الحوادث تتكرر في نطاقات محددة، كما حدث مؤخرًا في حي النصر مربع (26)، حيث طالت الاعتداءات ممتلكات المواطنين بشكل مباشر، الأمر الذي يفتح الباب أمام فرضية العمل المنظم، خاصة في ظل سياق الحرب الحالية، التي لم تعد تُخاض فقط في ميادين القتال، بل امتدت إلى حرب نفسية تستهدف كسر إرادة المدنيين، وإشاعة الإحساس بانعدام الأمن.
لا يبدو بعيدًا أن تسعى المليشيا وداعموها—بعد تضاؤل فرص مشروعهم—إلى تصدير رسالة مفادها أن الخرطوم لم تعد مكانًا آمنًا، وأن البقاء خارج البلاد هو الخيار الأكثر عقلانية. غير أن هذه الرسالة تصطدم بواقع تشكل خلال الأشهر الماضية، حيث ترسخت قناعة واسعة لدى السودانيين بأن الوطن، رغم قسوته، يظل الملاذ الأخير، وأن كلفة الغربة—مهما بدت مغرية—تفوق في كثير من الأحيان كلفة البقاء.
ومع ذلك، فإن هذه القناعة الوطنية لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار، إذ تظل المسؤولية الأمنية واجبًا لا يحتمل التراخي. من هنا تبرز أهمية تعزيز دور الشرطة المجتمعية، ليس فقط من حيث الانتشار، بل عبر اختيار منسوبيها وفق معايير دقيقة تضمن الكفاءة والانضباط، وتمنع أي تجاوزات قد تضر بثقة المواطنين.
كما أن تكثيف حملات التوعية والإرشاد يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات وحملات التضليل، التي غالبًا ما تسبق أو تصاحب مثل هذه الحوادث. فالمعركة، في جوهرها، معركة وعي بقدر ما هي معركة أمن.
ولا يمكن إغفال البعد التقني في تعزيز الأمن؛ إذ تمثل إضاءة الشوارع الرئيسية بالطاقة الشمسية، وتوسيع نطاق كاميرات المراقبة، أدوات حيوية للحد من الجريمة وكشف مرتكبيها، مهما بلغت كلفتها، لأن أمن المواطن يظل أولوية لا تعلو عليها كلفة.
لقد كانت شرق النيل، في فترات سابقة، إحدى المناطق التي شهدت وجودًا لعناصر المليشيا، بما في ذلك معسكرات ومراكز نشاط، وهو ما يجعل فرضية زرع خلايا استخباراتية أمرًا واردًا، خاصة مع اعتماد هذه الجماعات على أساليب التمويه والاختراق داخل النسيج المجتمعي.
لكن، ورغم كل ذلك، فإن الرهان الحقيقي يظل على وعي المجتمع وتماسكه، وعلى قدرة الدولة في بسط الأمن وسيادة القانون. فالأوطان لا يحميها الخوف، بل يحميها أبناؤها حين يتسلحون باليقظة، ويضعون أمنهم المشترك فوق كل اعتبار.
شرق النيل اليوم ليست فقط أمام تحدٍ أمني، بل أمام اختبار للثقة: ثقة المواطن في دولته، وثقته في مجتمعه، وثقته في أن الغد—رغم كل شيء—يمكن أن يكون أكثر أمانًا.