الأخبار
أخر الأخبار

انفتاح الجيش… وحملات التشويش على الوعي الوطني بقلم :إدريس هشابه

انفتاح الجيش… وحملات التشويش على الوعي الوطني

بقلم :إدريس هشابه

في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، حيث تتوالى هزائم المليشيا في ميادين القتال، ويتقدم الجيش بخطى محسوبة وفق خطط عسكرية محكمة تقلل خسائره إلى الحد الأدنى وتُلحق بالخصم أكبر الأضرار، تمهيدًا لمعركة الحسم في كردفان ودارفور، تتكشف على نحو موازٍ معركة أخرى لا تقل خطورة، وإن بدت أقل ضجيجًا: معركة استهداف الوعي الوطني.
فكلما ضاق الخناق على المليشيا في الميدان، اتسعت شهية حلفائها في الفضاء الإعلامي، حيث تنشط غرف منظمة ومدعومة، تُدار بعقلية الحرب النفسية، وتُغذى بخطاب التخوين وإعادة تدوير الاتهامات الجاهزة. ذات الأسطوانة القديمة تعود من جديد، بوجه أكثر فجاجة، تُشهر في وجه كل من ينحاز للدولة أو يقف مع مؤسساتها، تحت لافتات مستهلكة لا تصمد أمام اختبار الواقع، ولا تقوى على تقديم مشروع وطني بديل.
هذه الحملات لا تستهدف أشخاصًا بعينهم بقدر ما تستهدف تفكيك الثقة في الدولة ومؤسساتها، وضرب الروح المعنوية لمنسوبي القوات المسلحة، وبث الشك في نفوس المواطنين تجاه معركة باتت في جوهرها معركة بقاء للدولة نفسها. وهي في ذلك تراهن على إرباك الوعي العام، واستدعاء انقسامات قديمة، واستثارة حساسيات سياسية واجتماعية ظن السودانيون أنهم تجاوزوها، أو على الأقل تعلموا من كلفتها الباهظة.
غير أن المفارقة الواضحة أن من يتصدرون هذا الخطاب يفتقرون إلى الحد الأدنى من المصداقية الأخلاقية والسياسية. فكيف يستقيم أن يمنح من ارتبط—صمتًا أو فعلًا—بمشروع المليشيا لنفسه حق توزيع صكوك الوطنية؟ وكيف يُقبل أن يتحول من تجاهل الجرائم أو بررها إلى قاضٍ يصنف الناس وفق هواه السياسي؟ إن هذه الازدواجية لم تعد خافية، بل صارت أحد أبرز أسباب تآكل تأثير هذا الخطاب، خاصة في ظل وعي متنامٍ لدى الشارع السوداني، الذي خبر التجارب القاسية، ولم يعد سهل الانقياد وراء الشعارات المجردة.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس حدتها، بل منهجها القائم على الإغراق في الفوضى المعلوماتية، حيث تختلط الحقيقة بالشائعة، ويُدفع المواطن دفعًا إلى حالة من الارتباك تجعله عاجزًا عن التمييز. وهنا تتجلى أهمية المعركة الحقيقية: معركة استعادة الثقة، وبناء خطاب وطني متماسك، لا يكتفي برد الفعل، بل يبادر بتقديم رواية واضحة تستند إلى الحقائق، وتُخاطب وعي الناس لا عواطفهم فقط.
الدولة، في هذا السياق، مطالبة بأن تدرك أن الانتصار العسكري، على أهميته، لا يكتمل دون انتصار موازٍ في ساحة الوعي. فالتأخر في تقديم المعلومة يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات، وغياب الخطاب الإعلامي الفاعل يترك الساحة لمن يجيدون توظيف الفوضى. كما أن كشف هذه الحملات ومصادرها وأهدافها للرأي العام أصبح ضرورة لحماية الجبهة الداخلية من الاختراق.
وفي المقابل، تقع على عاتق المجتمع—بمختلف مكوناته—مسؤولية عدم الانجرار وراء هذه الحملات، والتحلي بقدر من الوعي النقدي الذي يميز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد المشروع ومحاولات الهدم المقصودة. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول أيضًا، ومن يخسر وعيه يخسر معركته مهما حقق من تقدم في الميدان.
إن السودان، وهو يقترب من لحظة الحسم، لابد أن يُبنى على قاعدة صلبة من الوعي والوحدة، أو يُترك فريسة لمشاريع الفوضى التي لا ترى فيه سوى ساحة مفتوحة لتجريب أجنداتها. وفي هذا الاختبار، لا مكان للحياد، ولا قيمة لصوتٍ يساوي بين الدولة ومن يسعى إلى تقويضها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى