مقالات الرأي
أخر الأخبار

حين تتكلم المسيرات… بين الخطر الحقيقي وواجب الوعي بقلم :إدريس هشابه

حين تتكلم المسيرات… بين الخطر الحقيقي وواجب الوعي

بقلم :إدريس هشابه

لا شك أن الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة، التي استهدفت شرق الجزيرة وأودت بحياة الشهيد عزام وعدد من أفراد أسرة كيكل، إلى جانب قصف منشآت حيوية كمصنع سكر كنانة ومحاولات استهداف مطار الخرطوم، تمثل تطوراً مقلقاً في مسار الحرب الدائرة في السودان. هذا التصعيد يفرض قراءة دقيقة، لا تهوينية تُغفل الخطر، ولا تهويلية تُضخم أثره بما يخدم أهداف الخصوم.
إن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب مقاربة شاملة، تُدرك طبيعة التهديد وتعمل على تحييده عبر مسارات متكاملة: عسكرية، ودبلوماسية، وإعلامية. فالقوات المسلحة تمتلك من الخبرات والقدرات ما يؤهلها للتعامل مع هذا النوع من التحديات، لكن المعركة لم تعد ميدانية فحسب، بل باتت حرب روايات وصور وتأثير.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوعي العام في عدم الانجرار وراء تضخيم الأحداث على نحو يحقق غايات الأطراف التي تسعى إلى بث الخوف وإرباك المشهد الداخلي، خاصة في ظل بوادر عودة تدريجية للحياة في عدد من المناطق، واتساع نسبي لدائرة الأمان. فالحرب، بطبيعتها، تُنتج لحظات صعود وهبوط، ولا تُقاس بنتائج ضربة أو حادثة.
من جهة أخرى، فإن ما يجري يذكرنا بأن السودان لا يزال في حالة حرب مفتوحة، لم تُحسم فصولها بعد، وأن استخدام الطائرات المسيّرة وغيرها من الوسائط الحديثة بات جزءاً من تكتيكات الصراع المعاصر. ولنا في تجارب دولية عديدة عبرة، حيث أصبحت هذه الأدوات سمة أساسية في الحروب الحديثة، كما حدث في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتي أظهرت كيف يمكن للمسيّرات أن تُحدث تأثيراً نفسياً وإعلامياً يفوق أثرها العسكري أحياناً.
غير أن الدرس الأهم من تلك التجارب لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بكيفية إدارة المعلومة. ففي خضم الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك خلال أحداث هجمات 11 سبتمبر، التزمت وسائل إعلام كبرى مثل BBC وCNN بسياسات تحريرية صارمة، تقوم على التحقق من المصادر، وتأخير نشر بعض المعلومات الحساسة، وتقديم المصلحة العامة والأمن القومي على السبق الصحفي.
حتى في أعتى الديمقراطيات، لا تُترك المعلومة الأمنية والعسكرية نهباً للتسابق الإعلامي غير المنضبط. بل تُدار وفق معايير دقيقة، توازن بين حق الجمهور في المعرفة وواجب حماية الدولة والمجتمع. وهو ما يستدعي من مراسلي القنوات الأجنبية، وكذلك المنصات المحلية، التحلي بقدر عالٍ من المسؤولية المهنية، وتجنب الانسياق وراء السبق على حساب الدقة أو الاستقرار.
إن المرحلة الراهنة تتطلب اصطفافاً وطنياً واعياً، لا يقوم على الانفعال، بل على الصبر والعزيمة، وإدراك أن المعركة متعددة الأبعاد. فالهزيمة ليست قدراً محتوماً، كما أن النصر لا يُصنع بالبنادق وحدها، بل بالعقول التي تُدير، والكلمات التي تُحصّن، والإرادة التي لا تنكسر.
وفي النهاية، تبقى وحدة الصف، ووضوح الرؤية، والالتزام بالمصلحة العامة، هي الركائز التي يمكن أن تعبر بالسودان هذه المرحلة الدقيقة، وصولاً إلى استعادة الاستقرار وفرض معادلة تليق بتضحيات شعبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى