مقالات الرأي
أخر الأخبار

حكومة كامل إدريس وفقدان البوصلة بقلم.. إدريس هشابه

حكومة كامل إدريس وفقدان البوصلة

بقلم :إدريس هشابه

في خضمِّ حربٍ معقّدةٍ تخوضها الدولة السودانية على المستويين العسكري والسياسي، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى وجود رؤيةٍ مدنيةٍ متماسكة تُوازي التضحيات الكبيرة التي تُبذل في الميدان، وتُحسن إدارة المعركة الدبلوماسية والإعلامية التي لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية نفسها.
ففي الوقت الذي ينشط فيه حلفاء المليشيا المتمردة داخل عددٍ من العواصم الأوروبية، عبر لقاءاتٍ مع برلمانيين ومراكز تأثير ومنظمات دولية، سعيًا إلى كسب التعاطف وإعادة إنتاج سرديتهم السياسية، لا تزال الحكومة المدنية تبدو ــ في نظر كثيرين ــ بعيدةً عن امتلاك خطابٍ خارجي فعّال يشرح حقيقة ما يجري في السودان، ويُدافع عن مؤسسات الدولة، ويمنع خصومها من احتكار المنابر الدولية.
ولعلّ ما يثير التساؤلات أن رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس اختار، في هذا التوقيت الدقيق، الانخراط في أنشطةٍ تبدو محدودة الأثر قياسًا بحجم التحديات التي تواجه البلاد، من بينها لقاءات أكاديمية ورمزية لا يُتوقع أن تُحدث اختراقًا حقيقيًا في جدار الأزمة السودانية، بينما تحتاج الخرطوم، وسائر المدن المتأثرة بالحرب، إلى حضورٍ تنفيذي وميداني أكثر كثافة وفاعلية.
فالخرطوم، التي تشهد عودةً متزايدةً للمواطنين، ما تزال تواجه أزماتٍ حادة في المياه والكهرباء والخدمات الصحية، إلى جانب الحاجة الملحّة لاستكمال أعمال إزالة آثار الحرب وإعادة تأهيل البنية الأساسية. ورغم الجهود التي بذلتها لجنة إعمار العاصمة بقيادة الفريق إبراهيم جابر، وبمساندة والي الخرطوم، والتي أسهمت خلال فترة وجيزة في استعادة قدرٍ من الاستقرار والخدمات وإزالة كثيرٍ من مظاهر الفوضى والتسلح، فإن تلك الجهود تحتاج إلى دعمٍ سياسي وتنفيذي أكبر، لا إلى التباطؤ أو الانشغال بقضايا هامشية.
إن الشعوب الخارجة من الحروب لا تُقاس فيها الحكومات بكثرة التصريحات أو الرحلات الخارجية، وإنما بقدرتها على استعادة الحياة الطبيعية، وبناء الثقة العامة، وتحويل الانتصارات العسكرية إلى واقعٍ مدنيٍّ مستقر. وقد شهدت تجارب دول عديدة ــ مثل رواندا بعد الإبادة الجماعية، والبوسنة عقب الحرب الأهلية ــ أن نجاح الدولة لم يكن قائمًا فقط على إنهاء التهديد العسكري، بل على وجود إدارة مدنية تمتلك وضوح الأولويات وسرعة التحرك وإعادة بناء مؤسسات الخدمات والحياة العامة.
وفي السودان اليوم، تحقق القوات المسلحة تقدّمًا ميدانيًا واستخباريًا ملحوظًا في مواجهة مليشيا آل دقلو، وتمضي بخطواتٍ ثابتة نحو استعادة السيطرة وتفكيك المشروع الذي استهدف الدولة السودانية ووحدتها. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بوجود أداءٍ حكومي مدني متماسك، يتحرك بالقدر نفسه من الجدية والحسم والكفاءة.
فالمعركة لم تعد عسكريةً فقط؛ بل أصبحت معركةَ إدارة دولة، واستعادة ثقة، وكسب رأي عام داخلي وخارجي. وأي فجوةٍ بين التقدم العسكري والفاعلية المدنية قد تُنتج حالةً من الإحباط العام، وتُفقد الانتصارات معناها السياسي والاستراتيجي.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الترف الإداري، ولا الأنشطة البروتوكولية محدودة الأثر، بل تحتاج إلى حكومةٍ حاضرة وسط الناس، تُدرك طبيعة اللحظة التاريخية، وتتحرك وفق أولويات المواطن والدولة، لأن الأوطان الخارجة من الحروب لا تُبنى بالرمزية وحدها، وإنما بالفعل المنتج، والقرار الرشيد، والإحساس العالي بثقل المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى