لاتفاوض مع القاتل كتبت سهير محمد عوض

لاتفاوض مع القاتل
كتبت سهير محمد عوض
وليَّ زمنُ الاتفاقياتِ والتفاهمات التي تُبنى على حساب أصحاب الأرض والحقوق.
صاحبُ الأرض اليوم بين نازحٍ ولاجئ، بينما يُفسَح المجال لمن لا جذورَ له في هذه المناطق ليستولي على أرضٍ رُويت بدماء الشرفاء ودموع الثكالى والأيتام. هذه الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل تاريخ وهوية وحق ثابت لا يستطيع أحد إنكاره أو طمسه مهما طال الزمن.
لقد أصبحت دارفور وكردفان أشبه بما تعيشه فلسطين، بعد أن شهدتا القتل والتهجير والإبادة والتشريد، وتم استبدال المواطن الحقيقي بوافدين فرضتهم ظروف الحرب والفوضى، في محاولة واضحة لإحداث تغيير ديمغرافي خطير. وبينما يعيش أهل الأرض في معسكرات النزوح واللجوء تحت قسوة الحاجة والبرد والخوف، ينظرون بحسرة إلى أراضيهم وهي تُنتزع منهم أمام أعين العالم.
إن مواطن هذه المناطق، سواء عاش في الشمال أو الوسط أو الشرق، هو سوداني كامل الحقوق، وله الحق في العيش والعمل في أي بقعة من السودان، فالسودان وطن للجميع. لكن الظلم العظيم أن يُحرَم صاحب الأرض من أرضه وثروته، بينما يُمنح غيره حق السيطرة والانتفاع بها. فصاحب الأرض لا يُنتزع حقه، وله كامل الحق في التملك والعيش الكريم داخل وطنه.
إن مصلحة أهل هذه المناطق ليست في تفاوضٍ يعيد إنتاج المأساة، ولا في اتفاقاتٍ تُشرعن واقع التهجير والاحتلال، بينما أصحاب الأرض مشردون في أصقاع الدنيا. المصلحة الحقيقية تكمن في استرداد الأرض والممتلكات والحقوق التي سُلبت بالقوة، وإعادة الكرامة لكل من تضرر من هذه الحرب.
وأين الذين حملوا السلاح من أجل إنصاف هذه المناطق المهمشة وإعادة حقوق أهلها؟ لقد خرجوا في البداية تحت شعارات العدالة ورفع الظلم عن هذه الرقعة المباركة من الوطن، لكن الواقع اليوم يفرض أسئلة موجعة. فالكثير من الحركات المسلحة لم تستطع إعادة الأمن ولا استعادة الأرض، بل أصبحت في أحيان كثيرة لا تملك من هذه المناطق سوى وجودها على الخرائط. وكان الأجدر بها أن توحّد الصفوف، وتعمل على تطهير المنطقة من الخونة والعملاء، وأن تعيد أهل الأرض إلى ديارهم، لأن هذا الشعب ما زال يقف خلف كل مشروع وطني صادق يعيد الحقوق ويحفظ الكرامة.
إن الأمن القومي وسيادة الدولة خطوطٌ حمراء لا يمكن التفريط فيها أو المساومة عليها، كما أن رموز معركة استعادة الدولة وتضحيات الشهداء لا يمكن أن تُنسى، لأنهم كانوا من أشجع وأنبل أبناء هذا الوطن، وقد قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الأرض والعِرض والسيادة.
وفي الختام، لا اتفاق ولا تفاوض مع من قتل وشرّد ونهب وأفسد، بل يجب أن تكون هناك إرادة حقيقية لاستعادة سيادة الدولة، وفرض العدالة، ومحاكمة كل من ارتكب الجرائم بحق الأبرياء، وتعويض كل فرد تضرر من هذه الحرب القاسية.
واليوم نكتب هذه الكلمات، وغدًا سنُسأل جميعًا أمام الله وأمام التاريخ عن مواقفنا تجاه أهلنا ووطننا.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيد كل لاجئ ونازح إلى وطنه وأرضه سالمًا كريمًا، وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء، وأن يجعل فجر العدالة والسلام الحقيقي قريبًا.