
وزير المالية في عين العاصفة
جلال الجاك ادول
منبر_-الكلمة
كيف يمكن الحكم على وزير مالية يدير دولة تخوض حرباً مفتوحة، بينما خزائنها شبه فارغة ومصادر دخلها التقليدية متوقفة وحركتها الاقتصادية أصابها الشلل؟ وهل من الإنصاف تحميل شخص واحد وزر أزمة صنعتها الحرب والدمار والانقسام وانهيار مؤسسات بأكملها؟
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل دخل السودان مرحلة استثنائية لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه الحديث دولة تواجه تحدياً وجودياً واقتصاد يتعرض لاختبار قاسٍ ومؤسسات تحاول البقاء في ظل انهيار كبير في البنية الإدارية والمالية وتعطل قطاعات واسعة من الإنتاج والتجارة والاستثمار.
وفي قلب هذه العاصفة وجد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي د. جبريل إبراهيم نفسه أمام واحدة من أصعب المهام في تاريخ الوزارة إدارة اقتصاد حرب لا اقتصاد دولة مستقرة.
فلا صادر يعمل بالصورة المعتادة ولا وارد مستقر ولا إيرادات عامة كافية بل إن البلاد واجهت واقعاً مالياً معقداً فرضته ظروف الحرب وتعطل الأنشطة الاقتصادية في عدد من المناطق الحيوية الأمر الذي جعل وزارة المالية تعمل في بيئة أقرب إلى إدارة الأزمة لا إدارة التنمية.
ورغم ذلك وفي تقديري فإن الإنصاف السياسي والمهني يقتضي الاعتراف بأن د. جبريل إبراهيم استطاع إلى حد بعيد المحافظة على الحد الأدنى من استمرارية الدولة مالياً في وقت كانت فيه احتمالات الانهيار الكامل واردة بقوة. فاستمرار المؤسسات وتسيير بعض الالتزامات الحكومية والحفاظ على الحد الأدنى من الإدارة المالية العامة لم يكن أمراً سهلاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.
قد يختلف الناس مع الرجل سياسياً وقد يختلفون مع بعض سياسات الوزارة الاقتصادية لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن السودان لم يكن يمر بظروف طبيعية يمكن فيها الحكم على الأداء وفق المعايير التقليدية. نحن هنا أمام دولة حرب لا دولة استقرار.
ولعل من الموضوعية أيضاً الاعتراف بأن د. جبريل إبراهيم ليس مجرد مسؤول سياسي بل شخصية تمتلك تأهيلاً أكاديمياً وخبرة تنفيذية وسياسية طويلة جعلته أكثر قدرة على التعامل مع ملفات شديدة التعقيد. فالوزارة التي يديرها اليوم لا تواجه أزمة تضخم أو عجز موازنة فحسب بل تتعامل مع اختلالات بنيوية فرضتها الحرب بصورة مباشرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لماذا يتعرض وزير المالية لحملات انتقاد متواصلة من بعض الأقلام والناشطين السياسيين؟
هناك من يرى أن الوزارة تتحمل مسؤولية ارتفاع الأسعار وتدهور القوة الشرائية والضائقة المعيشية وهي انتقادات تبدو مفهومة في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها المواطن. لكن السؤال الأكثر عدالة هل هذه أزمة وزير مالية وحده أم أزمة دولة كاملة تعيش حرباً طاحنة؟
في المقابل يرى مراقبون أن جزءاً من الحملة على الوزير قد لا يكون اقتصادياً بحتاً بل مرتبطاً بحسابات سياسية وصراع نفوذ داخل مراكز اتخاذ القرار خاصة في ظل إعادة ترتيب المشهد السياسي والإداري أثناء الحرب. ففي السياسة السودانية كثيراً ما تصبح وزارة المالية مركزاً للتجاذب لأنها تتحكم في الموارد وتحديد الأولويات.
كما أن طبيعة المرحلة الحالية تجعل الخلافات داخل أروقة وزارة المالية ومجلس الوزراء أمراً متوقعاً فهناك أسئلة كبيرة تفرض نفسها يومياً هل تُوجَّه الموارد المحدودة نحو المجهود الحربي؟ أم نحو الخدمات الأساسية؟ أم إعادة تأهيل المؤسسات؟ وكيف يمكن تحقيق توازن بين احتياجات الدولة العاجلة ومعاناة المواطن؟
هذه ليست أسئلة سهلة ولا قرارات يمكن أن ترضي الجميع.
ومع ذلك فإن النقد حق مشروع بل ضرورة لأي مسؤول عام لكن ما يحتاجه السودان اليوم هو نقد موضوعي يستند إلى الوقائع لا حملات استهداف أو تصفية حسابات سياسية. فحين تكون الدولة نفسها في معركة بقاء يصبح من المهم التفريق بين النقد المسؤول وبين صناعة الخصومة السياسية.
قد يختلف الناس حول د. جبريل إبراهيم وقد تتباين الآراء حول أدائه، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن إدارة مالية دولة في زمن الحرب ليست مهمة عادية ولا يمكن تقييمها بالشعارات والانفعالات وحدها بل بقدرة الدولة على الاستمرار واقفة رغم العاصفة.
فهل يُحاسَب الرجل على الإخفاقات وحدها أم يُنصف أيضاً في معركة إدارة دولة بلا موارد؟