مقالات الرأي
أخر الأخبار

ملوك الظلال في السياسة بقلم :إدريس هشابه

ملوك الظلال في السياسة

بقلم :إدريس هشابه

كلما تابعت بعض الوجوه التي تتصدر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، تذكرت قصة “ملك الظلال”. خصوصا بعد الاطاحة بنظام عمر البشير

تحكي القصة عن رجل عاش سنوات طويلة مقتنعاً بأنه شخصية استثنائية تستحق التصفيق والإعجاب، رغم أنه لم يقدم عملاً يوازي حجم ادعاءاته. كان يرى نفسه أكبر مما هو عليه، ويعتقد أن الآخرين يتجاهلون قيمته عمداً، حتى اكتشف متأخراً أن المكانة لا تُنتزع بالكلمات ولا تُبنى بالضجيج، وإنما بالإنجاز والأثر الحقيقي.

هذه القصة لا تخص شخصاً بعينه، بل تعكس ظاهرة سياسية مألوفة في عالمنا العربي والأفريقي؛ ظاهرة السياسي الذي يراهن على الحضور الإعلامي أكثر من رهانه على الإنجاز، ويعتقد أن كثرة الظهور تعادل ثقل التجربة، وأن الجدل المستمر يمكن أن يكون بديلاً عن العمل المنتج.

وفي الساحة السودانية، كثيراً ما يُستدعى هذا المشهد عند متابعة بعض الشخصيات التي تحرص على البقاء في دائرة الضوء بصورة دائمة، حتى يصبح حضورها الإعلامي أكبر من حصيلتها السياسية الفعلية. فالجمهور في نهاية المطاف لا يقيس السياسي بعدد المقابلات التلفزيونية ولا بحجم التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بما قدمه من مبادرات ومواقف وإنجازات يمكن أن تصمد أمام اختبار الزمن.

فالسياسة ليست سباقاً نحو الكاميرات، وليست معركة يومية لاحتلال العناوين الرئيسية. السياسة مسؤولية، ورؤية، وقدرة على إحداث فرق في حياة الناس. أما الاكتفاء بإنتاج الضجيج وإثارة الجدل والتنقل بين المواقف والخطابات المتناقضة، فإنه قد يحقق حضوراً مؤقتاً، لكنه نادراً ما يصنع مكانة راسخة.

إن أكبر خطأ قد يقع فيه السياسي هو أن يصدق الصورة التي رسمها لنفسه، لا الصورة التي صنعتها الوقائع. فالتاريخ لا يحتفي بمن كان الأعلى صوتاً، بل بمن كان أعمق أثراً. ولا يتذكر من ملأ الشاشات، بقدر ما يتذكر من ترك بصمة حقيقية في حياة الناس.

ولهذا فإن مراجعة الذات تظل فضيلة نادرة في العمل العام. فليس كل من يكثر ظهوره قائداً، وليس كل من يثير الجدل صانعاً للأحداث. وبين الضجيج والإنجاز مسافة شاسعة لا تعبرها الكلمات، وإنما تعبرها الأفعال.

ويبقى الدرس الأهم أن الأضواء قد تصنع شهرة مؤقتة، لكنها لا تصنع قيمة دائمة. أما القيمة الحقيقية فتولد من العمل، وتكبر بالإنجاز، وتبقى في ذاكرة الناس حتى بعد أن تنطفئ الأضواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى