عبد الكريم ابراهيم يكتب : قهوة نورة ارث متصل وحلقة ود ونجمة تأبى الأفول

عبد الكريم ابراهيم يكتب :
قهوة نورة ارث متصل وحلقة ود ونجمة تأبى الأفول…
في السودان، اعتاد الناس أن يجتمعوا تحت ظلال النيم قبل البناء و العمران في قهاوي المنازل ، حيث تتحول البيوت إلى ساحات عامة يتبادل فيها الأهل والجيران الأخبار والأفراح والأحزان. وكانت في حلفاية الملوك قهوة الأمهات والعمات والخالات و الجدات حاضرة مثل قهوة جدتي لأمي فاطمة احمد خوجلي (بنت الدابي) ، فاطمة بنت عبد الرحيم ، العازة الصديق (بنت نايرة) ، وعائشة بخيت ، بنات الزبير رحمهم الله وقهوة الوالدة حفظها الله حادم الله حسين الفضل وغيرها من قهاوي محطات للإبتسامة و الفرح والمواساة ، كأنها منابر للرحمة والحنان.
هذه القهاوي وغيرها شكّلت ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية ، لكنها كانت إشارات عابرة أمام القهوة التي أصبحت وماتزال حتى يومنا هذا نجمة مضيئة في الذاكرة وظهرت وقتها قهوة نورة منذ سبعينيات القرن الماضي ابان زمن الرأحل المقيم عمنا عبد الحافظ البدوي رحمه الله ، وواصلت الحاجة نورة حمد صباحي المسيرة بعد رحيله في استقبال روادها بوجه بشوش وصدر رحب. كان روادها الأوائل من رموز فريق حاج أحمد: الحاجة بنت المنى، آسيا البدوي، بخيتة حمد، حاج أحمد، محمد البدوي، دوليب وابنه إدريس دوليب، النخيل الخليفة ، فاطمة بنت ذو النون ، بخيتة بنت الصبر ، صالحة بنت الطيب ، الفكي محمد الحسن شمس الدين رحمهم الله جميعا والسيدة بنت حسونة حفظها الله وغيرهم من الرموز والقامات الطوال.
تميزت قهوة نورة عن غيرها بروادها الذين كانوا يأتون من مسجد الفكي شمس الدين وغيره من مساجد ومنازل مجاورة عقب صلاة الجمعة من كل اسبوع مباشرة ، فيجتمعون حول القهوة ليتبادلوا الذكريات والأنساب وأخبار الزواج والوفاة ، في صورة حية للتواصل الاجتماعي السوداني.وكانت الطقوس داخل القهوة تحمل نكهة خاصة؛ تبدأ برائحة البن والشاي المحببة وهي تفوح في الهواء، ثم تسكب في فناجين صغيرة وأكواب على صينية نحاسية لامعة ترافقها أحياناً البليلة بالبلح و الفول السوداني والحلوى . يجلس الرجال والنساء منفصلين كل على حدة في حلقات تحت ظل النيم سابقا وحاليا تحت البيوت المعمرة يتبادلون الأحاديث، وتعلو البسمة فوق الشفاه و صوت الضحكات بين حين وآخر تارة وتارة اخرى الدموع والعبرات ، بينما يمر الأطفال بين الجالسين يحملون الأكواب أو يلهون بالقرب منهم .قال أحد الرواد القدامى: “كنا ننتظر صلاة الجمعة بفارغ الصبر ، ليس لأداء الفريضة فقط ، بل لنلتقي بعدها كذلك في قهوة نورة ، حيث نجد الدفء والأنس وأخبار المجتمع داخليا وخارجيا.” وقد سمعنا بالأمس القريب منها النبأ السعيد المبارك بعقد زواج الدكتورة اريج ميرغني محمود طه ابنة الخالة العزيزة السيدة محمد الحسن شمس الدين حيث تم عقد زواجها هناك في مكة المكرمة .
وتروي إحدى حفيداتها: “جدتي نورة لم تكن مجرد صاحبة قهوة، كانت قلباً نابضاً بالحب والحنين ، تستقبل الجميع بابتسامة تجعل الغريب يشعر أنه من أهل البيت.”نورة نفسها كانت روح المكان؛ تلقى الناس بابتسامة صافية، ودودة وكريمة، حظيت بمحبة واحترام الجميع. علاقاتها امتدت عبر مصاهرات وزواج بناتها واولادها وأحفادها، فصارت القهوة بيتاً مفتوحاً يربط الأجيال ويجدد الروابط وبعد عقود من العطاء برحيل نورة ، واصلت ابنتها آسيا عبد الحافظ واخواتها وأحفادهم هذا الإرث المتجذر المتجدد ، ليبقى بيت نورة شاهداً على أن العطاء لا ينقطع، وأن القهوة ليست مجرد جلسة، بل هي صدقة جارية وذاكرة جماعية تتجدد مع كل جيل.
قهوة نورة، مثلها مثل القهاوي الأخرى التي سبقتها، ليست مجرد مكان لشرب القهوة، بل هي رمز للتكافل السوداني، حيث يصبح البيت ساحة عامة، والشجرة سقفاً للود، والقهوة جسراً بين القلوب وهكذا قهوة نورة ارث متصل و حلقة ود و نجمة تأبى الأفول…
رحم الله عمتنا الحاجة نورة حمد صباحي واسكنها فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين والبركة في اولادها و احفادها وان يجعل عملها الصالح في ميزان حسناتها.