
واشنطن والخرطوم.. سياسة الضغوط ام إعادة رسم الخرائط؟
بقلم :إدريس هشابه
لم تكن العقوبات الأمريكية الأخيرة تجاه السودان حدثًا معزولًا عن سياق ممتد، وإنما حلقة جديدة في مسار طويل من العلاقة المعقدة بين الخرطوم وواشنطن؛ علاقة ظلّت تحكمها اعتبارات المصالح الجيوسياسية أكثر مما حكمتها الشعارات المعلنة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وهي في مجملها ضد الدولة السودانية ومصالح شعبها بل تسببت في تفاقم الأزمة الاقتصادية والاوضاع المعيشية لعموم السودانيين.
ومن يتابع السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال العقود الماضية يلحظ أنها اتسمت بالتذبذب بين الضغوط والعقوبات والانفتاح المشروط، بينما بقيت المصالح الإستراتيجية هي العامل الحاكم في رسم السياسات. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، مرورًا بالعقوبات الاقتصادية، ثم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وصولًا إلى التطورات التي أعقبت اندلاع الحرب الحالية، ظل السودان ساحةً للتنافس الإقليمي والدولي أكثر من كونه شريكًا متكافئًا.
ويذهب كثير من المحللين أن الحرب الدائرة لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أصبحت تتقاطع مع حسابات إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها مصالح قوى متعددة، لكل منها رؤيته لمستقبل السودان وموقعه في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وثرواته المعدنية والزراعية.
كما أن تنامي الاهتمام الدولي بالبحر الأحمر، والتنافس المتزايد بين القوى الكبرى على الموانئ وخطوط الملاحة، إضافة إلى السباق العالمي على المعادن الإستراتيجية، يجعل السودان حاضرًا بقوة في حسابات الأمن القومي للدول الكبرى.
وفي هذا الإطار، يعتقد قطاع من المراقبين أن بعض السياسات الغربية تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في السودان بما ينسجم مع توازنات إقليمية جديدة، بينما يرى آخرون أن الهدف المعلن يقتصر على إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وبين هذين التفسيرين تبقى الحقيقة أن السودان أصبح ساحةً لتقاطع المصالح أكثر من أي وقت مضى.
أما القرارات الأمريكية الأخيرة، فمن المرجح أنها ستزيد من تعقيد المشهد السياسي، وقد تمنح خصوم الدولة السودانية مساحة أوسع للمناورة السياسية والدبلوماسية، ما لم تمتلك الخرطوم رؤية واضحة لإدارة المرحلة المقبلة.
ولا يبدو أن الرد الأكثر فاعلية يكمن في البيانات السياسية وحدها، وإنما في إعادة صياغة شبكة العلاقات الخارجية على أساس المصالح الوطنية الخالصة، عبر تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد.
فالصين، على سبيل المثال، تمتلك خبرة طويلة في الاستثمار بقطاع النفط والبنية التحتية السودانية، ويمكن توسيع التعاون معها في مجالات التعدين، والطاقة، والصناعات التحويلية. كما أن تعزيز الشراكات الاقتصادية مع القوى الآسيوية الصاعدة قد يفتح آفاقًا جديدة لتقليل الاعتماد على الغرب.
ومصر تمتلك خبرات كبيرة في مجالات حيوية عديدة وهي الأقرب بحكم المصير المشترك والتصاهر بين الشعبين والتداخل الثقافي ويمكن الاستفادة من هذه العوامل لبلورة رؤية مشتركة وتقنينها باتفاقيات تحقق مصالح البلدين الشقيقين.
كذلك فإن الموقع الجغرافي للسودان على البحر الأحمر يمنحه ورقةً إستراتيجية لا ينبغي التفريط فيها، إذ يمكن توظيفها ضمن شراكات تحقق مصالح البلاد وتحافظ على سيادتها، سواء في مجالات الموانئ أو الأمن البحري أو التعاون العسكري، شريطة أن تُدار هذه الملفات وفق رؤية وطنية مستقلة توازن بين المكاسب الاقتصادية والاعتبارات السيادية.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تمتلك أوراق قوة ولا تحسن استخدامها تتحول إلى ساحة للصراع، بينما الدول التي تدير مواردها وموقعها الجغرافي بذكاء تستطيع فرض نفسها لاعبًا مؤثرًا لا مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الخارجية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار السوداني اليوم: هل يكتفي السودان بردود الأفعال، أم يبدأ في بناء سياسة خارجية جديدة تقوم على تنويع التحالفات، واستثمار موارده، وتحويل موقعه الجغرافي من مصدر للاستهداف إلى مصدر للقوة؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط شكل المرحلة المقبلة، بل مستقبل السودان لعقود قادمة.
