مقالات الرأي
أخر الأخبار

بين الحرب النفسية ووقائع الميدان.. هل استوعب السودانيون الدرس؟ بقلم :إدريس هشابه

بين الحرب النفسية ووقائع الميدان.. هل استوعب السودانيون الدرس؟

بقلم :إدريس هشابه

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة والشعب من جهة ومليشيا الدعم السريع ودويلة الشر من جهة اخرى، لم تكن المعركة عسكريةً فحسب، بل كانت أيضًا معركةً إعلامية ونفسية بامتياز. وفي كل مرة تتقدم فيها العمليات العسكرية إلى مرحلة جديدة، تتصاعد في المقابل حملات التهويل، وتكثر الشائعات، وتتضاعف الرسائل التي تستهدف بث الخوف في نفوس المواطنين ودفعهم إلى فقدان الثقة في مؤسسات دولتهم.
ومع اتساع نطاق عمليات القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة في غرب البلاد، عادت ذات الرواية إلى الواجهة؛ إذ ارتفعت أصوات تتحدث عن سيناريوهات كارثية محتملة، ولا سيما فيما يتعلق بمدينة الأبيض، في استدعاءٍ لما شهدته مدن أخرى خلال هذه الحرب. وبغض النظر عن الجهات التي تقف وراء تلك الروايات أو دوافعها، فإن أثرها المباشر يتمثل في صناعة حالة من القلق والذعر بين المواطنين.
غير أن تطورات الميدان جاءت مخالفةً لتوقعات كثيرين، بعدما حققت القوات المسلحة والقوات المشتركة تقدمًا في عدد من المحاور بغرب وشمال دارفور، وهو دليلاً على أن إدارة المعركة لا تُقاس بضجيج وسائل الإعلام أو الشائعات، وإنما تُقاس بحسابات عسكرية وخطط ميدانية تتبدل وفق مقتضيات القتال.
لقد أثبتت تجارب الحروب، قديمًا وحديثًا، أن الجيوش النظامية كثيرًا ما تعيد ترتيب أوراقها خلال المعارك، وأن الانسحابات التكتيكية أو بطء التقدم لا تعني بالضرورة الهزيمة، كما أن الضجيج الإعلامي لا يصنع انتصارًا في الميدان. ولعل حرب الاستنزاف المصرية التي أعقبت هزيمة عام 1967، والتي شكلت مرحلة لإعادة بناء القوات المسلحة قبل حرب أكتوبر 1973، حيث جاء التحول بعد سنوات من الإعداد والتخطيط. كما أن التاريخ العسكري حافل بأمثلة لجيوش أعادت تنظيم صفوفها ثم حققت تقدمًا بعد مراحل بالغة الصعوبة.
ومن هذا المنطلق، فان إدارة الحرب تحتاج إلى الصبر والثقة في المؤسسات العسكرية، باعتبار أن الجيوش النظامية تستند إلى عقيدة قتالية، وسلاسل قيادة، وخطط تُبنى على تقديرات مهنية، لا على ردود الأفعال أو الانفعالات الآنية.
كما أن التجارب السابقة داخل السودان، سواء في الجزيرة أو سنار أو الخرطوم، أظهرت أن قراءة المشهد من لحظة واحدة قد تقود إلى استنتاجات متسرعة، وأن موازين القوى في الحروب قد تتغير خلال فترة وجيزة وفقًا لمعطيات الميدان.
وفي المقابل، يبقى الوعي الشعبي أحد أهم عناصر الصمود الوطني. فالحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما أيضًا بقدرة المجتمع على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين التحليل والدعاية، وعدم الانسياق وراء كل ما يُتداول عبر المنصات المختلفة.
إن الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، ودعم كل ما يحفظ أمن البلاد واستقرارها، يظل – أحد أهم عوامل تجاوز هذه المرحلة العصيبة. أما الحسم النهائي، فإن كلمته الأخيرة تبقى للميدان، فهو وحده القادر على تأكيد الوقائع أو نفيها، بعيدًا عن ضجيج الحملات الإعلامية والرشاوي التي تدفع لحلفاء المليشيا ، وأصوات الحرب النفسية التي اتفقت فيها دويلة الشر مليارات الدولارات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى