مقالات الرأي
أخر الأخبار

رسالة مفتوحة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان

رسالة مفتوحة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي
الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان

الموضوع: أزمة الهوية والحقوق الدستورية لمواطني أبيي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

سيادة الرئيس،
أسأل الله أن يوفقكم ويسدد خطاكم وأنتم تقودون البلاد في هذه المرحلة المفصلية، وتخوضون معركة الكرامة دفاعاً عن السودان ووحدته وسيادته. فالأمن هو الركيزة التي تقوم عليها الدول، وبدونه لا يستقيم عمران، ولا تتحقق تنمية، ولا يشعر المواطن بالطمأنينة.
لقد ترددت كثيراً قبل كتابة هذه الرسالة، وبذلت محاولات عديدة للوصول إلى سيادتكم لعرض قضية تمس شريحة أصيلة من أبناء هذا الوطن، إلا أن تلك المحاولات لم تُكلل بالنجاح، فآثرت مخاطبتكم بهذه الرسالة المفتوحة، إيماناً بالمثل السوداني القائل (الضاقت بيه الدنيا بمشي للكبير)
ندرك حجم المسؤوليات الوطنية الملقاة على عاتقكم، وتعدد الملفات التي فرضتها ظروف الحرب، غير أن هناك ملفاً ظل حبيس الأدراج لسنوات، وهو ملف منطقة أبيي وأبنائها، على الرغم من أن ، وما تضمنه بروتوكول أبيي، قد وضعا إطاراً قانونياً واضحاً لمعالجة أوضاع المنطقة وضمان حقوق سكانها. كما أن مبدأ المساواة في المواطنة، الذي تقوم عليه الدولة، يوجب أن يتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية دون تمييز بسبب الانتماء الجغرافي أو الإداري.

سيادة الرئيس،
إن للمواطن حقوقاً تكفلها القوانين والاتفاقيات، وعلى الدولة واجب صون تلك الحقوق وحمايتها. وقد لبّى أبناء أبيي نداء الوطن منذ اندلاع الحرب، واستجابوا للاستنفار، وتقدموا الصفوف في مختلف محاور القتال دفاعاً عن السودان ومؤسساته الشرعية، وقدموا الشهداء والجرحى والمفقودين، إيماناً منهم بأن السودان وطنهم، وأن أبيي جزء أصيل من ترابه.
وكان من الطبيعي أن ينتظر هؤلاء المواطنون أن يجدوا من دولتهم التقدير والرعاية، إلا أنهم وجدوا أنفسهم يواجهون واقعاً مختلفاً، يتمثل في الحرمان من أبسط حقوق المواطنة.
فلا يزال أبناء أبيي يعانون أزمة هوية حقيقية، وحرماناً من استخراج الرقم الوطني والوثائق الثبوتية، فضلاً عن ضعف تمثيلهم في مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات المعنية بإدارة شؤون أبيي. وقد طرقنا أبواب جميع الجهات المختصة، دون أن نجد معالجة حقيقية لهذه القضية، بينما ظل استخراج الرقم الوطني محصوراً في مركز واحد بأم درمان، الأمر الذي حرم آلاف المواطنين من إثبات هويتهم وممارسة حقوقهم الدستورية.
ولم تعد آثار هذه الأزمة مقتصرة على استخراج الوثائق، بل امتدت لتؤثر على حق المواطن في التعليم والعلاج والعمل واستخراج جواز السفر وحرية التنقل، وهي حقوق أصيلة لا ينبغي أن تُنتقص بسبب تعقيدات إدارية أو فراغ مؤسسي.
إن هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، وإنما هي نتيجة مباشرة لاستمرار تعطل مؤسسات أبيي وعدم استكمال تنفيذ الاستحقاقات المنصوص عليها في بروتوكول أبيي، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة الهوية والحقوق المدنية لمواطني المنطقة.

سيادة الرئيس،
في يوم 24 يونيو 2026م تعرض 108 من مواطني أبيي العائدين من ، عبر لجنة الأمل للعودة الطوعية، إلى واقعة مؤلمة عندما مُنعوا من دخول السودان عبر بحجة أنهم غير سودانيين، فأُعيدوا على متن الباخرة إلى ميناء السد العالي بمدينة ، وظلوا عالقين لمدة ثمانية أيام، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، في ظروف إنسانية قاسية.
وبعد جهود رسمية وشعبية، وتحريات أجرتها قنصلية السودان بأسوان، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنهم مواطنون سودانيون، وتم إصدار وثائق سفر اضطرارية لمن لا يحملون مستندات، ثم سُمح لهم بدخول السودان عبر بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية.
غير أن الصدمة الكبرى كانت عند وصولهم إلى الخرطوم، حيث تم تحويلهم إلى دائرة شؤون الأجانب، ثم إبعادهم إلى ، دون إخطارهم أو تمكينهم من ممارسة حقوقهم القانونية، وشمل القرار حتى من يحملون مستندات سودانية سارية المفعول.
إن هذه الواقعة ليست حادثة منفصلة، وإنما تعكس خللاً مؤسسياً في التعامل مع مواطني أبيي، وتؤكد أن أزمة الهوية أصبحت قضية وطنية تستوجب معالجة عاجلة، حتى لا يتكرر ما حدث لمواطنين لم يطلبوا سوى العودة إلى وطنهم.

سيادة الرئيس،
إن استمرار هذه الأوضاع دون معالجة جادة من شأنه أن يفاقم الشعور بالتهميش والإحباط وسط المواطنين، ويضعف الثقة في مؤسسات الدولة، بينما تقتضي المصلحة الوطنية تعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها، وترسيخ مبدأ أن المواطنة وحدها هي أساس الحقوق والواجبات.
إن قضية أبيي ليست قضية حدود فحسب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة السودانية على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، واحترام الاتفاقيات التي وقعتها، وصون كرامة كل سوداني دون تمييز.
وعليه، نلتمس من سيادتكم التوجيه بالآتي:
فتح تحقيق عاجل ومستقل في واقعة إبعاد مواطني أبيي، ومحاسبة كل من تسبب فيها.
إصدار توجيهات عاجلة لتسهيل استخراج الرقم الوطني والوثائق الثبوتية لجميع أبناء أبيي، وإنهاء مركزية الإجراءات.
وقف أي إجراءات تؤدي إلى معاملة مواطني أبيي كأجانب أو إبعادهم خارج السودان.
الإسراع في تنفيذ الاستحقاقات الواردة في بروتوكول أبيي، وتفعيل مؤسسات المنطقة وفقاً لما نصت عليه اتفاقية السلام الشامل.
ضمان المشاركة العادلة لأبناء أبيي في مؤسسات الدولة، وتمكينهم من ممارسة حقوقهم الدستورية كاملة.
تشكيل لجنة عليا لمعالجة ملف الهوية والحقوق المدنية لمواطني أبيي بصورة نهائية.
تخصيص لقاء مع ممثلي أبناء أبيي ومنظمات المجتمع المدني للاستماع إلى رؤيتهم ووضع حلول عملية ومستدامة لهذه القضية.

سيادة الرئيس،
إننا نضع هذه القضية بين أيديكم، إيماناً بأن الدولة التي يضحي المواطنون من أجلها لا يمكن أن تقبل بحرمانهم من هويتهم أو معاملتهم كأجانب داخل وطنهم. وإن إنصاف أبناء أبيي اليوم ليس منحة، وإنما هو استحقاق قانوني ووطني وأخلاقي، ورسالة تؤكد أن السودان لا ينسى أبناءه الذين وقفوا إلى جانبه في أحلك الظروف.
نسأل الله أن يحفظ السودان، وأن يوفقكم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يعم الأمن والسلام والاستقرار ربوع الوطن.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.

جلال الجاك أدول
رئيس منظمة مجمع أبيي المدني

الجمعة 3 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى