*ام النصر محمد* *رُمح النصر* *من يحاسب من يهدر كرامة المواطن؟ تفويج أم تعذيب جماعي للمسافرين على الطرق؟*

*ام النصر محمد*
*رُمح النصر*
*من يحاسب من يهدر كرامة المواطن؟ تفويج أم تعذيب جماعي للمسافرين على الطرق؟*
ما تعرض له ركاب البصات السفرية في رحلة الخرطوم – مدني لا يمكن وصفه إلا بأنه استهتار صارخ بوقت المواطن وكرامته، واستخفاف لا يليق بمؤسسات يفترض أن تكون مهمتها خدمة الناس لا تعذيبهم.
تحركنا من الميناء البري بالخرطوم بعد أن قطع كل راكب تذكرته إلى وجهته المحددة، لكن المفاجأة كانت أن البص يحمل ركاب ثلاث ولايات: الجزيرة، وسنار، والقضارف. وخلال الرحلة كان أحد منسوبي البص يتولى التنسيق عبر الهاتف مع بصات أخرى لتوزيع الركاب في الطريق، بينما يحمل كشفاً بأعداد ركاب الولايات المختلفة، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول آلية تشغيل هذه الرحلات.
ثم جاءت الصدمة الأكبر. توقف البص بمنطقة الباقير لأكثر من ساعتين، بينما كانت دورية شرطة المرور السريع موجودة بالموقع. وعندما سألنا عن سبب هذا التوقف الطويل، كانت الإجابة: “هناك تفويج.”
أي تفويج هذا والشارع خالٍ من الازدحام؟ وأي سلامة تتحقق بإجبار الأطفال والنساء وكبار السن على الوقوف ساعات في العراء؟ وهل أصبحت سلامة المواطن تعني إهدار وقته وكرامته وتعطيل مصالحه؟
لقد تواصلنا مع الجهات المختصة، فجاء الرد بأن الأمر يتعلق بإجراءات التفويج حفاظاً على السلامة. وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن السؤال الذي ينتظر الإجابة هو: لماذا لا يتم تنظيم هذه الإجراءات داخل الميناء البري قبل تحرك البصات؟ ولماذا يُترك المواطن رهينة للانتظار في الطريق بعد أن اكتملت إجراءات السفر وتحركت المركبة؟
أما إذا لم يكن هناك تفويج فعلي، فإن الأمر يصبح أخطر، ويستوجب تحقيقاً عاجلاً لكشف حقيقة ما حدث، وتحديد المسؤول عن تعطيل المواطنين وإهدار ساعات طويلة من أعمارهم دون مبرر.
إن ما حدث ليس مجرد تأخير في رحلة، بل هو انتهاك لحق المواطن في خدمة نقل محترمة ومنظمة. فمن غير المقبول أن تستغرق رحلة إلى مدني، التي يمكن إنجازها في وقت أقل بكثير، ساعات إضافية بسبب سوء التنظيم أو الإجراءات غير الواضحة، بينما يعاني ركاب سنار والقضارف أكثر من ذلك.
وهنا تتجه الأسئلة مباشرة إلى شرطة المرور السريع بولاية الجزيرة وشعبة البصات السفرية:
من المسؤول عن هذا العبث؟ ومن سمح بأن تتحول الطرق إلى ساحات انتظار مفتوحة للمواطنين؟ ولماذا تغيب الرقابة على البصات التي تحمل ركاب عدة ولايات بهذه الطريقة؟ وأين حق المواطن الذي دفع قيمة تذكرته مقابل خدمة آمنة ومنظمة ومحترمة؟
المطلوب اليوم ليس بيانات تبريرية، وإنما تحقيق شفاف يوضح للرأي العام حقيقة ما جرى، ومحاسبة أي جهة قصرت أو تجاوزت صلاحياتها، وإلزام شركات النقل وشعبة البصات بتنظيم عمليات التفويج – إن وجدت – داخل الميناء البري قبل تحرك المركبات، حتى لا يدفع المواطن وحده ثمن الفوضى وسوء الإدارة.
لقد صبر المواطن السوداني كثيراً، لكنه لم ولن يقبل أن تتحول معاناته إلى أمر طبيعي. فالوقت حق، والكرامة حق، واحترام الإنسان واجب على كل مؤسسة تحمل مسؤولية خدمة هذا الشعب.